كان (جنوب فرنسا) – ملحم الزبيدي
كان (جنوب فرنسا) – ملحم الزبيدي

مقالات مشابهة

رسالة "كان" (20)

مفاجآت سارة وأخرى مُخيبة.. جوائز “كان” الـ 79: لجنة التحكيم تغلّب الحميمي على السياسي

كان (جنوب فرنسا) – ملحم الزبيدي
كان (جنوب فرنسا) – ملحم الزبيدي

في ليلةٍ بدا فيها البحر الأبيض المتوسط أكثر توترًا من عادته، أُسدل الستار على الدورة الـ 79 من مهرجان “كان” السينمائي، لا بوصفه مجرد احتفالٍ بالسينما، بل باعتباره مرآةً لما يعتمل في العالم من انقسامات وأسئلة جمالية وأخلاقية وسياسية. هناك، على سلالم “الكروازيت”، لم تكن الكاميرات تلتقط الصور لوحدها، بل كانت ترصد أيضاً ارتباك الذائقة العالمية، وهي تتأرجح بين سينما المؤلف الصارمة، والسينما التي تبحث عن الإثارة والصدمة بأي ثمن.

المفاجأة الأكبر كانت منح السعفة الذهبية لفيلم Fjord للمخرج الروماني كريستيان مونجيو، وهو عمل بارد ظاهرياً، لكنه يغلي من الداخل بأسئلة الهوية والعزلة الأوروبية. الفيلم، الذي تدور أحداثه في قرية نرويجية معزولة، بدا وكأنه قصيدة طويلة عن فقدان المعنى في أوروبا الحديثة. وقد اعتبر كثيرون فوزه انتصاراً للسينما التأملية على حساب الأفلام الأكثر جماهيرية.

جوائز “كان” بين الفن والسياسة

لكن الجدل الحقيقي اشتعل حين مُنحت الجائزة الكبرى لفيلمٍ سياسي حاد اللهجة، هو Minotaure للمخرج الروسي المنشقّ أندري زفياغينتسيف، الذي قُوبل بتصفيق عاصف من جهة، وبحملات انتقاد من جهة أخرى، بسبب ما وُصف بأنه تسييس لمنصة سينمائية مثل “كان” يُفترض أن تبقى فنية بالدرجة الأولى. وكعادته، لم ينجُ “كان” من الاتهامات القديمة المتجدّدة: هل بات المهرجان يكافئ المواقف أكثر مما يكافئ الأفلام؟

أما لجنة التحكيم، برئاسة المخرج الكوري الجنوبي بارك تشان ووك، فقد بدت وكأنها تتعمّد كسر التوقعات. أسماء كبيرة خرجت خالية الوفاض، فيما صعدت أفلام صغيرة من الظل إلى منصة المجد. ذلك وحده كان كافياً لإشعال غضب بعض النقاد الذين اعتبروا النتائج “مزاجية أكثر منها فنية”.

من بين الأفلام التي أثارت الانتباه بقوة، لكنه عادت بخفي حُنين من حفل الجوائز، فيلم “الأمل” للمخرج الكوري نا هونج-جين، وهو عمل مُبهر يمزج الخيال العلمي بالرعب النفسي. الفيلم كان صاخباً ومُحكماً بصرياً، حتى إن بعض النقاد وصفوه بأنه “أبوكاليبس إلكتروني”، بينما رأى آخرون أنه مجرد استعراض تقني بلا روح.

في زاوية أكثر هدوءاً، خطف الياباني هيروكازو كوري-إيدا الأنظار بفيلمه “خروف في الصندوق”، وهو دراما إنسانية رقيقة عن زوجين يتبنيان طفلاً آلياً بعد فقدان ابنهما الحقيقي. فيلم صغير، لكنه مؤلم كالهمس، يطرح سؤالاً مرعباً: هل تستطيع التكنولوجيا أن تعوّض الحنان المفقود؟ لكنه هو الآخر استُبعد تماماً من حصاد الجوائز.

أما فيلم “فجأة” للمخرج الياباني ريوسوكي هاماغوتشي، فقد بدا أقرب إلى تأمل شاعري في المصادفة والحب والخيانة. فيلم يعتمد على الصمت أكثر من الحوار، وعلى النظرات أكثر من الأحداث، حتى إن بعض الحضور غادروا القاعة مبكراً، بينما وقف آخرون مصفقين لدقائق طويلة. هكذا هو “كان” دائماً: فيلم واحد، وحقيقتان متناقضتان. وقد كوفئ الفيلم بجائزة أفضل تمثيل نسوي مُنخت مناصفة لبطلتيه فيرجيني إيفيرا وتاوو أوكاماتو.

جوائز أقل جدلًا.. ورسائل أكثر وضوحًا

ولم يخل حفل الاختتام من جوائز مرّت بعيداً عن الجدل، وعكست إجماعاً فنياً واضحاً خلال المسابقة الرسمية. فقد مُنحت جائزة الإخراج مناصفة لفيلم “الكرة السوداء” للمخرجين الإسبانيان خافيير كالفو وخافيير أمبروسي، وفيلم “أرض الأب” للمخرج البولندي بافيل بافليكوفسكي، في تتويج احتفى بلغتين سينمائيتين مختلفتين تماماً: الأولى شاعرية تستحضر تاريخ القمع والهوية في إسبانيا، والثانية عمل بالأبيض والأسود يتأمل الذاكرة الأوروبية والهويات المتصدعة بفصل النعرات القومية. لكن الفيلمين تجمع بينهما النبرة السياسية المناهضة للفاشية.

أما جائزة السيناريو فذهبت إلى فيلم “خلاصنا” للمخرج والكاتب الفرنسي إيمانويل مار، عن نص تناول مرحلة حكومة فيشي الفرنسية المتواطئة مع الاحتلال النازي. ولكن من زاوية مغايرة قاربت هذا الجرح التاريخي الفرنسي من منظور “تفاهة الشّر” الذي نظّرت له المفكرة حنّا أرندت. وقد نال الفيلم إشادة نقدية واسعة ببنائه الدرامي المحكم وحواراته المكثفة. ما جعل كثيرين يتوقعون أن ينال السعفة الذهبية. 

وفي فئة التمثيل الرجالي، تقاسم الجائزة كل من إيمانويل ماكيا وفالنتان كامباني عن أدائهما في فيلم “الجبان” للمخرج البلجيكي لوكاس دونت، حيث اعتُبر حضورهما من أبرز المفاجآت التمثيلية في الدورة، خاصة لما حمله أداؤهما من حساسية عالية في تناول أزمة الهوية والهشاشة العاطفية لدى جيل عاش صراع الاختلاف والإقصاء في خضم الحرب العالمية الأولى بسبب ميوله المثلية.

ووسط كل هذا الجدل الفني والسياسي، الذي تخلله العديد من المفاجآت، السارة منها والمخيبة، انتهت دورة أخرى من “كان”، تاركة خلفها من الأسئلة أكثر من الإجابات. من يستحق الجوائز فعلاً؟ وهل ما تزال السينما فناً خالصاً، أم تحولت إلى ساحة صراع أيديولوجي ناعم؟ لكن الجدل نفسه بات جزءاً من العرض، وربما هنا تكمن عبقرية المهرجان. ففي “كان”، لا يكفي أن تشاهد فيلمًا… عليك أيضاً أن تختار معسكرك!