كان (جنوب فرنسا) - جمال بدومة
كان (جنوب فرنسا) - جمال بدومة

مقالات مشابهة

رسالة "كان (6)

“حكايات متوازية” لأصغر فرهادي: مصائر متشابكة وحقائق متشظية في فيلم يطوّع فيه الخيال الواقع!

كان (جنوب فرنسا) - جمال بدومة
كان (جنوب فرنسا) - جمال بدومة

ثلاثة عشر عامًا بعد شريطه الفرنسي “الماضي” (2013)، وثماني سنوات بعد شريطه الإسباني “الجميع يعلم” (2018)، يعود أصغر فرهادي إلى مهرجان “كان” السينمائي في دورته الـ79 بفيلم آخر صوره خارج البلاد، تدور أحداثه في باريس، بين شقتين متقابلتين في الدائرة الحادية عشرة قرب حيّ الجمهورية العريق.

المخرج الإيراني يعيش منذ عقد ونصف بين فرنسا وإيران، ولا يتوقف عن تجديد خياراته الفنية، وتكسير أفق انتظار الجمهور. كلّ فيلم لدى فرهادي مغامرة جمالية، مع أسلوب شخصيّ لا تخطئه العين. “حكايات متوازية” هي مغامرته العاشرة، تعيده إلى السباق على السعفة الذهبية، بعد خمس سنوات على “قهرمان” الذي أحرز الجائزة الكبرى للمهرجان عام 2021. 

دراما مشحونة بالتلصص والهواجس

يجمع فرهادي كوكبة من ألمع الممثلين في “حكايات متوازية”، تتقدمهم إيزابيل أوبير في دور كاتبة حادة المزاج، تعتزل الناس، وتكتب روايتها الجديدة. 

سيلفي، تقيم في شقة مقابلة للشقة التي رأت فيها النور في عمارة مجاورة، ورأت فيها أيضا مأساة والدها. والدتها اختارت أن تتركه وتعيش مع رجل آخر. تقضي الروائية وقتها بين الكتابة وبين التجسس على سكان الشقة المقابلة. تراقب تفاصيل حياتهم اليومية، ثم تتحكم في مصائرهم من خلال آلتها الكاتبة. تتساءل سيلفي: ما الفرق بين الإنسان والحيوان؟ وتجيب: الإنسان يعرف أنه سيموت بخلاف الحيوان… الجيران الذين تتجسس عليهم يسجلون المؤثرات الصوتية لشريط وثائقي عن الحيوانات، ولا يعرفون المصير الذي ينتظرهم. تكتب سيلفي قصتهم، تتخيلها، وتكتب أيضا في النهاية حياتهم. الحقيقة تتداخل مع الخيال، بشكل يصعب الفصل بينهما.

يشتغل في استوديو المؤثرات الصوتية كلٌّ من بيار (فانسان كاسيل) وشريكة حياته نيتا (فيرجيني ايفيرا) وأخوه الأصغر كريستوف (بيار نينيه). هم أيضا يحوّلون الوهم إلى حقيقة على طريقتهم. تراقبهم الروائية الفضولية بمنظار من نافذة البيت، وتتخيل ما يحدث، ثم تخطّ حكايتهم على إيقاع جراح طفولتها. هناك خيانة وجريمة في الرواية، وتعبٌ من شغل ضاغط في الحقيقة. 

فرهادي يخلط المصائر بالخيال

لورانس قريبة سيلفي تزورها من حين لآخر. تتعرض إلى سرقة في المترو وينقذها آدم (آدم بيسا). شاب مشرد، بلا مأوى وبلا عمل، تقترح عليه لورانس أن يهتم بسيلفي ويساعدها في شؤون البيت. دخول آدم على خط اللعبة، يعطي للأحداث منعطفًا دراميًا. تنتقل لعنة الكتابة من سيلفي إلى الشاب المشرد، الذي تفتنه عوالم الكاتبة ويقرر أن يصبح مثلها. يسرق مخطوط الرواية ويدعي أنه المؤلف…

الكاتبة لا تقرّر في حياة شخصيات روايتها فحسب، بل تؤثر على مصائر أشخاص من لحم ودم. يريد فرهادي أن يقنعنا بأن الكتابة ليست مجرد محاكاة للواقع وبأن هناك شيء إلهي في الإبداع، لكن الاشتباك المكثف بين الواقع والخيال، يجعل خيط السرد يفلت أحيانًا. معظم الشخصيات توجد مرتين، في الرواية وفي الواقع. 

قوة الفيلم في “الكاستينع”. يبدع فرهادي في إدارة الممثلين، ويبدع الممثلون في تقمّص شخصياتهم. كاترين دونوف تمرّ في مشهد واحد، وتحولّه إلى لوحة فنية. الحوار بينها وبين إيزابيل أوبير درس في التشخيص. تقول الناشرة (دونوف) للكاتبة: إنك لا تعرفين الناس جيدًا لأنك لم تخرجي من بيتك منذ زمن، متى جالست شخصا سيئًا آخر مرة؟ 

ترد أوبير: إنني أجلس معه في هذه اللحظة… 

تعد هذه المشاركة السادسة لفرهادي في المسابقة الرسمية لمهرجان “كان”، الذي كافأه بعدة جوائز: بفضل فيلم “الماضي”، حصلت بيرينيس بيجو على جائزة أفضل ممثلة عام 2013، كما حصل شهاب حسيني على جائزة أفضل ممثل عام 2016، بفضل دوره في فيلم “البائع” الذي أحرز أيضًا جائزة السيناريو. وفي عام 2021 فاز “قهرمان” بالجائزة الكبرى للمهرجان… فهل تمكّنه “حكايات المتوازية” من السعفة الذهبية؟