جمال بدومة
جمال بدومة

مقالات مشابهة

رحيل

نبيل لحلو: غواية المشي بعكس السير

جمال بدومة
جمال بدومة

كان الفنان المغربي نبيل لحلو (1945-2026) يمشي بعكس السير، نكاية في المسالك الجاهزة، وجهه واضح كشتيمة، وفنه حادّ كشفرة حلاقة، على غرار كل المبدعين الملاعين. لم يكن العصر عصره ولا المكان مكانه.

ينتمي مخرج “نهيق الروح” إلى طينة متفردة من المبدعين، يمرُّون مثل البرق، ويغادرون من الشوارع الخلفية لعصرهم، ولكي يحظوا بالاعتراف، يحتاجون إلى موت مزدوج: موتهم الشخصي وموت العصر الذي عاشوا فيه.

الكاتب الفرنسي جان دورميسون كان يقول ساخرًا إن على المبدع أن ينتبه إلى “الوقت الذي يموت فيه”، مستشهدًا بحالة الشاعر والسينمائي جان كوكتو، الذي أسلم الروح ساعات قليلة بعد المغنية الشهيرة إيديث بياف (11 أكتوبر 1963)، مما جعل الأضواء كلها تسلط على الفنانة التي رحلت في عزّ عطائها، وعمرها لم يتجاوز السابعة والأربعين، فيما كان كوكتو في الرابعة والسبعين، ومرت وفاته مرور الكرام، إذ جعلت كل الصحف من رحيل “لاموم” عنوانها الرئيسي. 

ومن سخرية القدر أن دورميسون نفسه، رحل ساعات قليلة قبل المغني الشهير جوني هاليداي (5 ديسمبر 2017) مما جعل الأضواء كلها تسلط على أيقونة الغناء الفرنسي، وتهمل واحدًا من أهم الروائيين في النصف الثاني من القرن العشرين.

أحيانا، يصعد المشاهير إلى السماء دفعة واحدة!

المخرج المغربي نبيل لحلو ذهب ضحية “متلازمة دورميسون”، إذ توفي الخميس الماضي، 7 مايو، ساعات قليلة قبل الموسيقار عبد الوهاب الدكالي (1941-2026)، أشهر فنان في تاريخ المغرب الحديث، مما جعل الأضواء كلها مسلطة على صاحب “مرسول الحبّ” على حساب مخرج فيلم “ليلة القتل”. الحقيقة أن نبيل لحلو كان متمردًا على المواضعات، ولو أتيح له اختيار معسكره بين المشاهير، لما تردد في الجلوس مع دورميسون وكوكتو بدل بياف وهاليداي، لأنه يعرف أن فنه موجّه إلى النخبة وأن “ما يبقى يؤسّسه الشعراء”. 

كان نبيل لحلو شاعرًا حقيقيًا، بمسحة سوريالية، وراء الكاميرا وعلى الخشبة وفي الحياة، يؤمن بـ “الأقلية الهائلة”، كما نحتها الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث، حين تحدث عن جمهور الشعر. بالإضافة إلى أسلوبه التجريبي الفريد، اشتهر الفنّان بصرامته في التعامل مع الممثلين ومع الجمهور، على حدّ سواء. كان يقدّس الخشبة ولا يتأخر دقيقة واحدة عن موعد العرض، مهما كان عدد الحاضرين. 

في إحدى المرات، كان يقدّم مسرحية “يوميات أحمق” في المعهد الألماني بالرباط، حين دقّت السابعة مساءً، الموعد المعلن للعرض، لم يكن في القاعة إلا متفرج واحد، مع ذلك طلب المخرج إغلاق الباب، ليقدِّم العمل أمام مُشاهد واحدٍ وعشرات “الكراسي” الفارغة، كأنه يكرم أوجين يونيسكو!

مبدع يمشي بعكس السير، نكاية في المسالك الجاهزة، على غرار كل الفنّانين الملاعين، وجهه واضح كشتيمة، وفنه حادّ كشفرة حلاقة. لم يكن العصر عصره ولا المكان مكانه. من أولئك الذين يمرون مثل البرق، ويغادرون من الشوارع الخلفية لعصرهم، ولكي يحظوا بالاعتراف، يحتاجون إلى موت مزدوج: موتهم الشخصي وموت العصر الذي عاشوا فيه.

“أوفيليا لم تمت”

بين السينما والمسرح، شيّد “الحاكم العام لجزيرة الشاكرباكربن” قصره. وظل يضع في كلّ عمل كثيرًا من جنونه وعبقريته وحسه الساخر. درس المسرح في فرنسا ودرّسه في الجزائر، قبل أن يستقر نهائيًا في المغرب مستهل الستينيات، ليطلق مشروعه الفني بقبعة المخرج والممثل والمؤلف. وفيما بعد، ستنضمّ إلى المشروع شريكة حياته، الممثلة المدهشة صوفيا هادي، التي تحولت مع توالي المسرحيات إلى بوصلة فنية لأعمال نبيل لحلو. 

في نهاية الستينيات، لفت المسرحي الشاب الانتباه ب “أوفيليا لم تمت”، حيث اشتبك مع شكسبير وأعاد تشكيل “هاملت” بأسلوبه التجريبي الجرّيء، قبل أن يكرّس إسمه مع توالي العروض رائدا لتجربة طليعية تقف بين مسرح العبث والنقد السياسي والتمرد على القوالب الكلاسيكية، في “الميليارديرات” (1968)، و”السلاحف” (1970)، و”الإمبراطور شريشماتوري” (1975)، و”محاكمة سقراط” (1996)، و”يوميات أحمق” (1998)، و”معجزة 30 فبراير” (2013)، و”السقوط” لألبير كامي (2019)، وصولًا إلى “ماشا مشيميشة” (2023) و”المرأة صاحبة المسدس 45″ (2024)، ثم “نبيل لحلو يحكي نبيل لحلو”، مسرحية الوداع، التي لم يكتب لها أن تكمل جولتها بين القاعات. 

في مستهلّ السبعينيات، سيقتحم لحلو شاشة الفن السابع، بالرؤية التجريبية ذاتها، التي تشرّح قضايا المجتمع وتنتقد السلطة مع مسحة عبثية وسفر في العزلة الوجودية. هكذا دشّن مشواره السينمائي بفيلم “الموتى” (1975)، ثم “القنفودي” (1978) الذي يعدّ عملًا تأسيسيًا في تاريخ السينما المغربية، تلاه “الحاكم العام لجزيرة الشاكر باكر بن” (1980)، أكثر أفلامه سوريالية، و”إبراهيم ياش” (1982)، الذي تألق فيه الممثل الراحل العربي الدغمي في دور يشبه بطل “المحاكمة” لكافكا، ثم “نهيق الروح” (1984)، و”كوماني” (1988)، و”ليلة القتل” (1992)، و”سنوات المنفى”(2002)، و”ثابت أو غير ثابت” (2005)، و”شوف الملك في القمر” (2011)… أفلام كرست أسلوبه الفريد، وجعلته رائدًا لسينما المؤلف في المغرب. 

سواء وراء الكاميرا أو أمامها أو على الخشبة، مخرجًا أو مؤلفًا أو ممثلًا، الفن عند نبيل لحلو تمرد على المواضعات، وتجريب بلا حدود، واشتباك متواصل مع الخطوط الحمراء. أعماله تنهض على “خلطة سحرية”.

من الجرأة والشراسة والسخرية السوداء، منحته كاريزما قلّ نظيرها، وجعلته نسيج وحده، عزف منفرد في سمفونية صاخبة. المبدعون من عياره نادرون، خصوصًا في العالم العربي، بالنظر إلى ميل المجتمعات إلى التقليد والتوافق والقوالب الجاهزة. لا يهادن الرداءة، ولا يتردد في الجهر بما يفكر فيه، حتى لو أزعج العالم برمته. 

بين المزاج والعتاب

في منتصف التسعينيات، كان نبيل لحلو يقدم النسخة الأولى من مسرحيته “محاكمة سقراط”، وقد كان من عادته أن ينزل لبهو المسرح، قبل إنطلاق العرض، ليستقبل الجمهور ويسلم على من يعرفهم، رغم أنه يلعب الدور الرئيسي. في ذلك المساء، اقترب منه أحد الفنانين المشهورين، من رواد المسرح التجاري، وقال له بين المزاح والعتاب: “ها أنت ترى أستاذ نبيل، لقد اشتريت تذكرة وجئت لمشاهدة عرضك، في حين نحن نرسل لك دائمًا دعوة لكنك لا تحضر مسرحياتنا أبدًا!”… فما كان من مخرج “يوميات أحمق” إلا أن ردّ عليه ساخرًا: “هل المسرح الذي أقدّمه أنا هو الهراء الذي تقدمه أنت!” 

مزيج من سيرج غانسبورغ وتشارلز بوكوفسكي… كثيرون يتذكرون مروره في القناة الثانية المغربية، “دوزيم”، أيام الواضح والمرموز، حين كان يتناظر مع بعض السياسيين، وصرخ فجأة في وجوههم بالفرنسية الفصحى: “إذا كنتم ستواصلون الكذب على المغاربة سأنصرف… ورمى الميكروفون على الطاولة ثم غادر. 

بالإضافة إلى الأفلام والمسرحيات، للراحل ريبرتوار كامل من القفشات والمواقف الساخرة. بعضها صحيح، وكثير منها مبالغ فيه، يرويها محبوه ومن يعشقون حسه الساخر، كما يحدث مع كل “الأساطير”.

ذات يوم، في بداية الألفية، سجل مع الإعلامية القديرة فاطمة الإفريقي حلقة من برنامجها الشهير “المجلة الفنية”، على القناة الأولى المغربية، وحين انصرف إلى “المثلث الأحمر”، مقهى الفنانين والكتاب والمخبرين، وقتها، إلتقى مسرحيا معروفا وقال له: “لقد استضافتني الإفريقي في برنامجها الفني، وسألتني عنك وعما تقدمه من مسرح، ولأنها ستحذف ما صرّحت له، لا بأس أن أخبرك به، لقد قلت لها بالحرف “إنك رجل طيب، لكن عليك أن تترك المسرح وشأنه… خصوصا أن لديك سيارة جيدة يمكنك أن تشتغل بها في النقل السري!”

كابوس المهرجانات 

كان نبيل لحلو كابوس منظمي المهرجانات، وورشات النجارة التي تسمى “ندوات”. صوت حر، يغرد خارج السرب، لا يهادن الرداءة والبيرقراطية والغباء. 

مرة كنا في اختتام مهرجان المسرح الجامعي بالدار البيضاء، نهاية التسعينيات، القاعة غاصة بالجمهور والفنانين، والتقنيون يصعدون وينزلون، يعدلون الميكروفون ويجربونه، ويضعون اللمسات الأخيرة قبل انطلاق الحفل. مر وقت محترم دون أن يظهر أثر لمقدمي الحفل، كي ينهوا الانتظار الذي طال أكثر من اللازم. فجأة صعد نبيل لحلو بخطوات سريعة إلى الخشبة، وقف وراء الميكروفون، وشرع في انتقاد سوء التنظيم، ومَنْ يبخسون قدر الفنان المغربي، وقدم مرافعة حول تحسين شروط اشتغال المسرحيين، أمام دهشة الجمهور وصدمة المنظمين… 

ثم أعاد الكرة في أولى دورات المهرجان الوطني للمسرح بمكناس، في بداية الألفية، حين كان الكاتب محمد الأشعري وزيرا للثقافة. أتذكر أنه أخذ الكلمة وهاجم الوزارة والمهرجان، ولأن الأشعري شاعر ويعرف مزاج المبدع، فقد صعد إلى المنصة ورد عليه بهدوء: “أنا شخصيا حلَفْت بمولاي ادريس، واخا الناس كاملين يتخاصمو مع السي نبيل لحلو ما عمرني نتخاصم معه”… هكذا ضحك الجمهور، وتبدد الغضب، وهدأت النفوس، وعاد لحلو للمشاركة في المهرجان، كأن شيئا لم يكن. 

لسوء الحظ، ليس كل المسؤولين يفهمون حساسية المبدع ومزاجه المتقلب، لذلك وجد نبيل لحلو نفسه مبعدا ومقصيا من المشهد الفني، طوال العقود الأخيرة، وتوترت علاقته مع وزارة الثقافة والمركز السينمائي المغربي ومسرح محمد الخامس ومهرجانات المسرح والسينما… ورحل وفي نفسه شيء من حتى!