تونس - نور الدين بالطيب
تونس - نور الدين بالطيب

مقالات مشابهة

الكتاب كوطن

من المتوسط إلى جاكرتا: هل ينجح معرض تونس الدولي للكتاب في هندسة تحالف ثقافي عابر للقارات؟

تونس - نور الدين بالطيب
تونس - نور الدين بالطيب

تأتي الدورة الـ 40 لمعرض تونس الدولي للكتاب في ظرفية دقيقة تتقاطع فيها التحديات الاقتصادية المحلية مع التحولات الجيوسياسية الكبرى. لم يعد الحدث، الذي يضم 150 ألف عنوان و394 دار نشر، مُجرد تظاهرة احتفائية بالورق، بل تحول إلى بيان سياسي وثقافي يحاول تكريس مفهوم “الكتاب كوطن” في لحظة تشهد سيولة في الهويات الوطنية.

يأتي اختيار إندونيسيا كضيف شرف في دورة المعرض للعام 2026 ليس مُجرد بروتوكول دبلوماسي، إنما استدعاء واعي لإرث حركة عدم الانحياز وتذكير بالروابط التاريخية، ما يُشير إلى توجه استراتيجي نحو تعزيز التعاون كبديل أو مكمل للمسارات التقليدية.

تشارك 37 دولة في الحدث الذي يركز على زخم فكري يتجاوز العرض التجاري مع اشتراط “الجدة” في الإصدارات لضمان الحيوية البحثية. ويبرز مسار نقاش معمق يتناول قضايا فلسفية كابن رشد، وتقنية كالذكاء الاصطناعي، وفنية تمثلت بالسينما والرواية. كما تشهد الدورة تكريم جيل من الرواد التونسيين في مجالات التاريخ، الاجتماع، والأدب، في خطوة تهدف إلى ربط الذاكرة الوطنية بإنتاج المعرفة المعاصر، وسط حضور دولي مكثف من آسيا وأوروبا والعالم العربي.

العقلانية العربية

يأتي تنظيم هذه الدورة في وقت تسعى فيه الدولة التونسية إلى إثبات قدرتها على الإدارة المؤسسية الناجحة رغم الضغوط المالية. وما الإصرار على إقامة معرض بهذا الحجم، وإصدار طابع بريدي تذكاري، إلا انعكاساً للرغبة في تقديم “قصة نجاح” ثقافية تعوض التعثر في ملفات أخرى. التوقيت يتزامن أيضاً مع تصاعد النقاش العالمي حول “السيادة الثقافية” في مواجهة العولمة الرقمية، وهو ما يفسر التركيز على حماية الملكية الفكرية ومناقشة القرصنة الرقمية.

من جانب آخر، يعبر الاحتفاء بذكرى ابن رشد في هذا التوقيت عن محاولة لاستعادة “العقلانية العربية” في مواجهة التيارات المنغلقة، ما يمنح المعرض وظيفة أيديولوجية ناعمة تدعم قيم الحداثة والتنوير التي طالما تباهت بها المدرسة التونسية. هذا الحراك الفكري يخدم السلطة والمجتمع معاً في رسم صورة لتونس كمنارة استقرار ثقافي في إقليم مضطرب.

التناقضات والمقارنة

تظهر التناقضات بوضوح عند المقارنة بين ضخامة العرض الثقافي (150 ألف عنوان) وبين القدرة الشرائية للمواطن التونسي التي تآكلت بفعل التضخم. هناك فجوة بين “ديمقراطية الثقافة” التي تنشدها الدولة من خلال المعارض الكبرى، وبين “أرستقراطية الكتاب” التي تفرضها تكاليف الطباعة والاستيراد. المعرض يطرح شعار “الكتاب وطن”، لكن هذا الوطن قد يصبح بعيد المنال للكثيرين بسبب المعطيات الاقتصادية.

كما يبرز تناقض آخر في استضافة تقنيات الذكاء الاصطناعي كمحور أساسي، في وقت لا تزال فيه البنية التحتية للنشر الرقمي في تونس والمنطقة العربية تعاني من تشريعات قديمة وضعف في آليات الحماية من القرصنة. إن الحديث عن “مهن الكتاب والذكاء الاصطناعي” يبدو متقدماً بمراحل على واقع السوق الذي لا يزال يكافح لتأمين حقوق المؤلف الأساسية في النسخ الورقية.

من المستفيد؟

المستفيد الأول هي الدولة التونسية، التي تستعيد عبر معرض الكتاب دورها كراعية للمجال العام ومنظمة للحوار الفكري، ما يعزز من شرعيتها الثقافية داخلياً وخارجياً. كما تستفيد إندونيسيا بشكل استراتيجي من خلال بوابة “ضيف الشرف” لتعزيز حضورها الثقافي والاقتصادي في شمال إفريقيا، مستغلة الرصيد الرمزي للعلاقة التاريخية بين جاكرتا وتونس لإعادة تموضعها كقوة ثقافية صاعدة في العالم الإسلامي.

GWA

على المستوى المهني، تجد دور النشر التونسية والعربية في المعرض “رئة اقتصادية” لا غنى عنها لتصريف المخزون وعقد صفقات الترجمة، خاصة مع التركيز على أدب اليافعين والترجمة من وإلى العربية. أما النخبة المثقفة، وهم المكرمون والضيوف، فيمثل لهم المعرض منصة لاستعادة التأثير في الفضاء العام، وهو ما يمنحهم اعترافاً مؤسسياً ضرورياً في ظل التغيرات السياسية المتسارعة.

برنامج ثقافي 

إلى جانب سوق الكتاب، خصَّصت الهيئة المنظمة للمعرض برنامجاً ثقافياً مرافقاً جمع بين عدّة محطٰات من أبرزها معرض “فنون الخط في تونس تجارب واتجاهات”، وندوة فكرية بعنوان “المدارس الخطية بين القاعدة والتجريب من الخط الكلاسيكي إلى الحروفية” بمشاركة خطاطين من تونس وفرنسا. كما يهتم البرنامج الثقافي بالعلاقة بين السينما والرواية من خلال شهادات ودراسات لنقاد ومخرجين وروائيين، مثل المخرج حمادي عرافة والروائية ٱمنة الرميلي والقاص وكاتب السيناريو لسعد بن حسين من تونس، ومن مصر السينمائي باسل رمسيس.

وتهتم النسخة الـ 40 من المعرض أيضاً بـ “ألسنة الرواية: قضايا الترجمة من العربية وإليها”، وندوة حول أدب اليافعين في تونس. ويفتح البرنامج الثقافي نافذة على الفلسفة لاستعادة ابن رشد في ندوة بعنوان: “رهانات فكر ابن رشد”؛ احتفاءً بالذكرى المئوية التاسعة لميلاده ( نيسان 1126). 

ولم يَغِب عن البرنامج الثقافي محور “مهن الكتاب والذكاء الاصطناعي” الذي خُصِّص له يوم كامل من الفعاليات، إضافة إلى موضوع القرصنة الرقمية وحقوق الملكية الفكرية، وندوة بعنوان “كتابة الذات: التجليات والرهانات”. كما يطرح المعرض في برنامجه الثقافي سؤالًا حول العلاقة بين الأدب والتاريخ تحت عنوان: تكامل أم تنافر؟ والجدير بالذكر، أن دورة هذا العام يشارك فيها أيضًا باحثون من تونس والمغرب وإسبانيا وإيطاليا. 

تكريمات وضيوف 

ككل عام اختارت هيئة المعرض مجموعة من الكتّاب والباحثين التونسيين لتكريمهم تقديراً لمساهماتهم في الثقافة التونسية؛ وفي الدورة الأربعين سيتم تكريم الكاتب المسرحي عز الدين المدني، والشاعر منصف المزغني، والباحث في التراث وما قبل التاريخ عبد الرزاق قراقب، إضافة إلى الكاتبة والشاعرة فضيلة الشابي، والباحث في العلوم الموسيقية محمود قطاط، والكاتبة باللغة الفرنسية عزة الفيلالي، وأستاذ الفلسفة والعميد الأسبق لكلية الآداب بصفاقس محمد علي الحلواني، والناقد أحمد الحيزم، والمؤرخ محمد حسين فنطر، وعالم الاجتماع الطاهر لبيب، والباحث والمؤرخ لطفي عيسى، والروائي فرج لحوار، والروائية عروسية النالوتي، والقاصة ريم عيساوي، والشاعرة  فوزية العلوي.

ويستقبل المعرض مجموعة من الضيوف من العالم العربي وآسيا وأوروبا منهم الجزائري سعيد خطيبي الحائز على جائزة البوكر، ومن المغرب الكاتب محمد المصباحي، ومن الأردن الروائي ابراهيم نصر الله، ومن اليمن حبيب عبد الرب وغيرهم.

وتشارك دور نشر من الجزائر والمغرب وليبيا وموريتانيا وفلسطين والأردن ومصر والسودان وسوريا واليمن والعراق ولبنان والكويت وقطر والإمارات والسعودية ونيجيريا والسنغال وبوركينا فاسو، بالإضافة إلى فرنسا وإيطاليا ومالطا وبلجيكا وإسبانيا وبولونيا وألمانيا وتركيا وإيران والبرتغال ولندن والسويد ورومانيا وروسيا والصين.

الرحيل شرقاً

من المرجح أن يؤسس هذا المعرض لمرحلة جديدة من “التوجه شرقاً” في السياسة الثقافية التونسية. إن الانفتاح على التجربة الإندونيسية قد يتبعه تعاون أوسع مع دول آسيوية أخرى، ما يقلل من الارتباط العضوي بالفرانكوفونية التي بدأت تفقد بعض وهجها التقليدي. هذا التحول سيفرض على الناشر التونسي تنويع لغات الترجمة والبحث عن أسواق جديدة خارج الدوائر الكلاسيكية.

مستقبلاً، ستكون قضية “الذكاء الاصطناعي والقرصنة” هي التحدي الوجودي لقطاع النشر. إذا لم تتحول النقاشات النظرية في المعرض إلى تشريعات عملية تحمي “الكتاب الوطني”، فإن شعار الدورة سيظل مجرد استعارة لغوية. التوجه القادم سيحتم على القائمين على المعرض الانتقال من منطق “السوق السنوي” إلى منطق “المنصة المستمرة” التي تدير الحقوق الرقمية وتدعم النشر المستقل طوال العام.