برحيل السينمائي والروائي الفرنسي الجزائري مهدي شارف، الذي أسلم الروح يوم 10 يونيو 2026 عن ثلاثة وسبعين عاماً، لا تفقد السينما الفرنسية مجرد مخرج أو كاتب آخر من جيل الثمانينيات، بل تودّع أحد أكثر الأصوات صدقاً في سرد حكاية الهجرة المغاربية داخل فرنسا، وأحد الشهود النادرين الذين حوّلوا جراح المنفى إلى مادة أدبية وسينمائية خالدة.
كان مهدي شارف ينتمي إلى ذلك الجيل الذي لم يكتب عن الهامش من وراء مكتب، بل عاشه بكل تفاصيله. جاء طفلاً من مدينة مغنية الجزائرية إلى فرنسا في خريف 1962، ليجد نفسه في أكواخ نانتير، داخل أحد أكبر الأحياء القصديرية التي عرفتها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. هناك، في الأزقة الموحلة التي كانت تفصل بين فرنسا الرسمية وفرنسا المنسية، تشكل وعيه الأول، وهناك أيضاً وُلدت المادة الخام التي ستغذي معظم أعماله لاحقاً.
إعلان أدبي
لم يكن شارف ابن المدارس السينمائية الكبرى، ولا خريج المعاهد الأدبية المرموقة. لقد خرج من المصنع. ثلاثة عشر عاماً قضاها عاملاً قبل أن يكتشف أن الكتابة يمكن أن تكون شكلاً آخر من أشكال المقاومة. ومن هذه التجربة وُلدت روايته الأشهر “شاي في حريم أرشي أحمد”، التي صدرت سنة 1983 وأحدثت هزة ثقافية في المشهد الفرنسي. لم تكن الرواية مجرد حكاية شباب ضائعين في ضواحي باريس، بل كانت إعلاناً أدبياً عن ظهور جيل جديد من الفرنسيين ذوي الأصول المغاربية، جيل لا ينتمي بالكامل إلى ضفة ولا يستطيع العودة بالكامل إلى الأخرى.
حين تحولت الرواية إلى فيلم سينمائي، لم يكن النجاح مجرد تتويج فني. فحصول العمل على جائزة سيزار لأفضل عمل أول سنة 1986 مثّل اعترافاً متأخراً بوجود فرنسا أخرى، فرنسا المهاجرين وأبنائهم، التي ظلت طويلاً خارج الصورة الرسمية للثقافة الفرنسية.
في تلك المرحلة، كانت السينما الفرنسية ما تزال تنظر إلى أبناء الهجرة بوصفهم موضوعاً اجتماعياً أكثر منهم ذواتاً قادرة على التعبير عن نفسها. جاء مهدي شارف ليقلب المعادلة. لم يتحدث عن المهاجرين، بل تحدث من داخل تجربتهم. لم يصنع أفلاماً عن الآخر، بل صنع أفلاماً عن الذات الجريحة التي تبحث عن مكان لها في مجتمع يتغير ببطء.
“أدب البور”
ولهذا السبب تحديداً، سيبقى اسمه مرتبطاً بما اصطلح النقاد على تسميته لاحقاً بـ”أدب البور” أو “الأدب المغاربي الفرنسي”. غير أن هذا التصنيف، على أهميته التاريخية، ظل أضيق من عالم شارف الإبداعي. فالرجل لم يكن معنياً بالهوية بوصفها شعاراً سياسياً، بل بوصفها تجربة إنسانية معقدة. كان مشغولاً بالآباء الذين عبروا البحر بحثاً عن حياة أفضل، وبالأبناء الذين وجدوا أنفسهم معلّقين بين لغتين وذاكرتين وهويتين.
في أفلام مثل “ميس مونا” و”خراطيش غولواز”، كما في رواياته المتأخرة “مدينة أبي” و”نور أمي”، ظل وفياً للموضوع نفسه: الإنسان الذي يحاول أن يحافظ على كرامته وسط تحولات التاريخ. كانت شخصياته تنتمي غالباً إلى الطبقات المنسية، لكنها لم تكن ضحية سلبية. كانت تقاوم، تحلم، تخطئ، وتحب، تماماً كما يحدث في الحياة.
موهبة نادرة
لقد امتلك مهدي شارف تلك الموهبة النادرة التي تجعل من الخاص شأناً عاماً. فكلما ازداد التصاقه بسيرته الذاتية، ازدادت أعماله قدرة على ملامسة تجارب إنسانية تتجاوز الحدود والجغرافيا. ولهذا وجد قراؤه ومشاهدوه أنفسهم في أعماله، سواء كانوا أبناء مهاجرين في ضواحي باريس أو قراءً في الضفة الجنوبية للمتوسط.
اليوم، بعد أكثر من أربعة عقود من حضوره في المشهد الثقافي الفرنسي، يغيب الرجل الذي حمل ذاكرة الأكواخ القصديرية إلى خشبات الجوائز الكبرى، والذي نقل أصوات المهمشين من أطراف المدن إلى قلب الثقافة الفرنسية. غير أن رحيله لا يعني نهاية الحكاية. فالأعمال التي تركها خلفه ستبقى شاهدة على زمن كامل من تاريخ الهجرة الجزائرية في فرنسا، وعلى موهبة استطاعت أن تحول المعاناة الفردية إلى ذاكرة جماعية.
برحيل مهدي شارف، تخسر فرنسا واحداً من أهم رواة قصتها المعاصرة. أما الجزائر، فتفقد ابناً ظل يحملها في ذاكرته حتى وهو يكتب بلغة أخرى. وبين الضفتين يبقى إرثه الثقافي جسراً من الكلمات والصور، يربط ما فرقته الجغرافيا وما جمعه التاريخ.
















