عثمان تزغارت
عثمان تزغارت

مقالات مشابهة

رحيل

الرسامة والمخرجة الإيرانية مرجان ساترابي: الموت يغيّب ضميراً حرّاً من أشد المناهضين لنظام الملالي

عثمان تزغارت
عثمان تزغارت

برحيل مرجان ساترابي، لا يفقد عالم الفن مجرد رسامة موهوبة أو مخرجة سينمائية مرموقة، بل يفقد صوتاً استثنائياً جسّد، على مدى أكثر من عقدين، الحوار الصعب أحياناً بين الشرق والغرب، وبين ذاكرة المنفى وأمل الحرية.

وُلدت مرجان ساترابي في طهران وسط أسرة مثقفة ذات توجّه يساري، وعايشت عن قرب التحولات الكبرى التي شهدها التاريخ الإيراني المعاصر. فقد تركت الثورة الإسلامية عام 1979، والحرب العراقية الإيرانية، وتجربة المنفى في أوروبا، والصدام بين رؤى مختلفة للعالم، بصماتها العميقة على أعمالها التي امتزج فيها البعد الشخصي بالبعد السياسي في صورة إنسانية مؤثرة.

كلاسيكيات الأدب المصور

وقد حققت شهرتها العالمية من خلال روايتها المصورة “برسيبوليس، التي أصبحت من كلاسيكيات الأدب المصور. ففي هذا العمل المستوحى من سيرتها، صوٌرت ساترابي قصة طفلة تواجه قسوة التاريخ وتقلباته. غير أن الكتاب تجاوز حدود السيرة الذاتية ليقدم تأملاً إنسانياً شاملاً في معاني الحرية والهوية ومقاومة التعصب الديني. وقد أتاح نجاحه العالمي لملايين القراء التعرف إلى صورة أخرى لإيران، بعيدة عن الصور النمطية والتبسيطات الإعلامية السائدة.

كانت مرجان ساترابي تنتمي إلى جيل من المثقفين القادمين من الشرق الأوسط الذين رفضوا الاختيار بين جذورهم الثقافية وانفتاحهم على العالم. فرنسية بالتبني، وإيرانية بالوجدان، نجحت في بناء جسر ثقافي بين عالمين كثيراً ما جرى تصويرهما باعتبارهما متناقضين أو متعارضين.

وعلى مر السنوات، جعلها التزامها بالدفاع عن حقوق الإنسان وحرية التعبير وتمكين المرأة مرجعاً أخلاقياً يتجاوز حدود الأوساط الفنية والثقافية. وخلال موجات الاحتجاج الأخيرة في إيران، تبنّت في مواقفها بقوة تطلعات جيل إيراني جديد يتطلع نحو الانعتاق والكرامة والديمقراطية.

المرأة في المجتمعات المعاصرة

يأتي رحيل مرجان ساترابي في وقت لا تزال فيه القضايا التي دافعت عنها تحتفظ بكل راهنيتها وأهميتها، وفي مقدمتها مكانة المرأة في المجتمعات المعاصرة، والعلاقة مع الآخر، وثقل الأيديولوجيات الشمولية، والنضال المستمر من أجل الحريات الأساسية.

لقد تركت مرجان ساترابي إرثاً فكرياً وفنياً بالغ الأهمية، فضلاً عن رسالة سياسية قوامها الحرية والشجاعة في مقارعة نظام الملالي، ما يجعل منها رمزاً سيبقى ماثلاً في الذاكرة الإيرانية ومصدر إلهام للأجيال القادمة. فالشخصيات الفنية البارزة، مثلها، لا ترحل تماماً، بل يتواصل حضورها في الوعي الجماعي من خلال أعمالها والقيم التي كرّست حياتها للدفاع عنها.