في روايته الأخيرة “يوم موت سالمة”، يكتب الروائي التونسي حسونة المصباحي نصّه الأكثر وجعًا وتأملًا، وكأنه يودّع العالم بالكلمات. فقد صدرت الرواية بعد وفاة صاحبها، الذي كان، خلال كتابتها، يصارع المرض ويدرك أن النهاية باتت قريبة. لذلك تبدو صفحاتها مشبعة بذلك الإحساس الثقيل بفناء الجسد، وبحنين الإنسان إلى ما يتسرّب من بين يديه: الحب، والذاكرة، والأمكنة، والزمن نفسه. الرواية ليست حكاية عن موت امرأة تُدعى سالمة فحسب، بل هي أيضًا تأمل عميق في هشاشة الحياة، وفي عزلة الإنسان العربي وهو يواجه خراب العالم وخراب الذات معًا.
تبدو رواية “يوم موت سالمة” وكأنها كتابة ضدّ النسيان، أو بالأحرى ضدّ ذلك التواطؤ الصامت الذي يجعل الموت حدثًا عابرًا في مجتمعات اعتادت التعايش مع الخسارات الصغيرة والكبيرة. فمنذ الصفحات الأولى، لا يقدّم المصباحي بطلة روائية بالمعنى التقليدي، بقدر ما يشيّد طقسًا جنائزيًا طويلًا، تتقاطع فيه الذاكرة الفردية مع هشاشة العالم العربي الحديث، حيث تتحوّل حياة امرأة بسيطة إلى مرآة لخراب أوسع: خراب العلاقات، والأحلام، والأمكنة، وحتى اللغة نفسها.
ما يلفت الانتباه في هذه الرواية ليس الحدث في حدّ ذاته، بل ذلك النفس التأملي العميق الذي يكتب به المصباحي شخصياته. فـ”سالمة” ليست مجرد امرأة تموت، بل كائن يجرّ وراءه تاريخًا من الخيبات والرغبات المؤجّلة، بينما يتحوّل موتها إلى ذريعة لاستحضار زمن كامل يتداعى أمام القارئ ببطء مؤلم. هنا تتجلّى إحدى أهم ميزات كتابة حسونة المصباحي: قدرته النادرة على تحويل التفاصيل اليومية الهامشية إلى مادة شعرية كثيفة، دون الوقوع في البلاغة الزائدة أو الاستعراض اللغوي.
الرواية، في جوهرها، ليست عن الموت فقط، بل عن العزلة أيضًا. عزلة الإنسان المعاصر داخل مدنه المختنقة، وعزلة المثقف الذي يرى العالم ينهار من حوله دون أن يمتلك القدرة على تغييره. لذلك تبدو الشخصيات وكأنها تتحرك داخل ضباب كثيف، تبحث عن معنى أخير للحياة، أو عن خلاص مستحيل. في هذا السياق، يستعيد المصباحي بعضًا من تقاليد الرواية الوجودية الأوروبية، لكنه يطعّمها بحساسية متوسطية واضحة، حيث تمتزج رائحة المقاهي القديمة، وأصوات الأزقة، وحنين المدن التونسية المنسية، بسؤال فلسفي قاسٍ حول جدوى الوجود.
أسلوب المصباحي في “يوم موت سالمة” يقوم على الاقتصاد الظاهري والعمق الباطني. جُمله هادئة، لكنها مشحونة بإيقاع داخلي حزين، كأن الكاتب يهمس بدل أن يصرخ. وهو ما يمنح النص طاقة عاطفية عالية، بعيدة عن الميلودراما الرخيصة. كما أن الرواية تنجح في بناء مناخ كئيب دون أن تفقد جماليتها، وهي معادلة صعبة لا يحققها إلا الروائيون الذين يعرفون كيف يصغون إلى الصمت بقدر ما يصغون إلى الكلام.
في النهاية، يمكن القول إن “يوم موت سالمة” ليست رواية تُقرأ بحثًا عن الحكاية فقط، بل تُقرأ بوصفها تجربة شعورية وفكرية. إنها نص عن هشاشة الإنسان أمام الزمن، وعن الموت باعتباره الوجه الآخر للحياة، وعن الذاكرة التي تظلّ، رغم كل شيء، آخر ما يقاوم الفناء. وفي زمن عربي يزداد صخبًا وسطحيّة، تأتي رواية حسونة المصباحي لتذكّرنا بأن الأدب الحقيقي لا يزال قادرًا على مساءلة الروح، وعلى منح الألم معنى إنسانيًا عميقًا.
















