جمال بدومة
جمال بدومة

مقالات مشابهة

رأي

خوان غويتيسولو.. رجل مراكش الثامن

جمال بدومة
جمال بدومة

تشتهر مدينة مراكش المغربية بساحة “جامع لفنا”، التي تحتضن تراثاً شفهياً عابراً للقرون، من خلال فن الحلقة (الحكواتي)، الذي مازال صامداً منذ عشرات السنين. كل يوم يتحلق جمهور غفير من المقيمين والسياح حول صانعي الفرجة، الذين يسردون قصصاً خيالية وأخرى ساخرة، وملاحم ضاربة في التاريخ والفانتازيا، ويقدمون عروضاً فنية مختلفة، تمنح للحاضرة إسمها الفريد: مدينة “البهجة”.

إذا كانت الساحة مصنفة تراثاً شفهياً إنسانياً من قبل “منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة” (اليونسكو)، فإن الفضل يعود إلى الكاتب الإسباني الكبير خوان غويتيسولو (1931-2017) الذي تحل ذكرى وفاته السابعة في الـ 4 من يونيو/حزيران. 

حارس الساحة 

الصدفة وحدها قادت غويتيسولو إلى مراكش قبل أن يصبح حارس الساحة وواحداً من أشهر أبنائها البررة. سنة 1956، فرّ الشيوعي الشاب من نظام فرانكو وأصبح لاجئاً سياسياً في فرنسا، مثل كثير من الإسبان. 

في باريس استأنف الكتابة الأدبية والتقى شريكة حياته، الكاتبة الفرنسية مونيك لانج (1926-1996)، وبدأ مسيرته الطويلة دفاعاً عن القضايا الإنسانية العادلة، حيث انضمّ إلى المثقفين الذين تحلّقوا حول جان-بول سارتر دفاعاً عن استقلال الجزائر، وفتح مع مونيك لانج بيتهما للمناضلين الجزائرين، وتوطّدت علاقاته مع قادة “جبهة التحرير”. 

حين حصلت الجزائر على الاستقلال، أصبح غويتيسولو مواظباً على زيارتها، لأنها تذكّره بالجنوب الإسباني، الذي حرمه فرانكو من الرجوع إليه. صاحب “المنفيّ هنا وهناك” كان يعشق الأندلس، خصوصاً منطقة ألمرية الفقيرة وقتها، والتي خصص لها تحقيقاً صحافياً كان له وقع كبير في إسبانيا. لكن الكاتب، الذي كان قريباً من محمد بوضياف (1919-1992)، ويعتبره الأكثر نزاهة بين قادة جبهة التحرير، قطع صلته بالجزائر إثر الانقلاب الذي قاد الهواري بومدين إلى السلطة عام 1965، مثل كثير ممن خاب أملهم في المسار الذي اتجهت إليه الأمور في الجزائر المستقلة.

مدرسة “جامع لفنا”

في تلك المرحلة، جاءته فكرة زيارة المغرب، وكانت وجهته طنجة، حيث أصبح يمضي كل سنة شهرين أو ثلاثة، منذ نهاية الستينيات، وقرر تعلم الدارجة (المحكية المغربية)، لكنه لم ينجح لأن الجميع يعرفونه، ويتحدثون معه بالإسبانية أو الفرنسية.

هكذا عنت له فكرة الذهاب إلى مدينة لا يعرفه فيها أحد، ويدعي أنه لا يعرف الفرنسية والإسبانية، كي يتاح له الحديث بالدارجة. في هذه الظروف وصل إلى مراكش عام 1976، وسرعان ما سحرته المدينة، وقضى ستة أشهر كاملة، أصبحت فيها ساحة “جامع لفنا” مدرسته و”الحلايقية” (الحكواتيون) أساتذته، وفي نهاية مقامه المراكشي الأول، بات يفهم كل ما يدور في حلقات الساحة.

في بداية الثمانينيات، اشترى غويتيسولو رياضاً صغيراً على بعد خطوات من الساحة، وأصبح يقضي جزء من السنة في مراكش، وحين توفيت زوجته عام 1996، استقر نهائياً في المدينة الحمراء، وربط علاقات وطيدة مع الناس البسطاء، وفي مقدمتهم “حلايقية” جامع لفنا مثل “المسيّح” و”مول لحمام” و”طبيب الحشرات”… وأصبح له ركن معروف في مقهى “ماطيش”، على الساحة، قبل أن يتعرض للهدم، ويحوّل مكان جلوسه إلى مقهى فرنسا.

 مدينة “ثمانية رجال”

مؤلف “مقبرة” فهم أكثر من أي شخص آخر أن “جامع لفنا” معلمة فريدة من نوعها، بخلاف المآثر السياحية الكبرى في العالم، التي شيدت بإرادة سياسية وقرارات إدارية، فإن الساحة تشكلت تلقائياً عبر القرون من قبل الناس، وتضم تراثاً حيّاً تتناقله الأجيال، وتحمل “معجزة الكلام الذي يواصل توهجه منذ سنين”، كما كتب في “إيل باييس” و”لوموند ديبلوماتيك” عام 1997، في مقال عبر فيه عن خوفه على مصير هذا الكنز المهدد بالاندثار: “أرتعش أحياناً وأنا أراه معرّضاً للزوال ويقفز إلى شفتي سؤال يلخّص كل مخاوفي: إلى متى؟”

أدرك غويتيسولو الخطر الذي يتهدد ساحة “جامع لفنا”، بسبب جشع المضاربين العقاريين وفساد المنتخبين، وكثف من تحركاته ومقالاته في الصحف العالمية، كي يوفر حماية دولية للساحة وتراثها الرمزي. وفي 2002، صنفت الساحة تراثاً شفهياً انسانياً من قبل “اليونيسكو”. 

كان غويتيسولو يؤمن بأن إسبانيا والمغرب محكومان بالتفاهم والتكامل، بسبب الجغرافيا والتاريخ، وأن فهم الثقافة الإسبانية لا يكتمل من دون معرفة الثقافة العربية-الإسلامية، لذلك حرص على تعلم العربية وفتش عن جذوره في التربة المغربية. عام 2015، عندما تسلم جائزة سرفانتيس من ملك إسبانيا أعلن أنه “يتشرّف بإهدائها إلى سكّان مراكش الذين احتضنوه بحنوّهم ومودّتهم ورحّبوا بشيخوخته المتعبَة”.

مراكش تسمى مدينة “سبعة رجال”، نسبة إلى سبعة من العلماء والفقهاء والأولياء الذين حطوا فيها الرحال، في مراحل مختلفة من التاريخ، ولعبوا دوراً في بناء هويتها الثقافية الفريدة. بالنظر إلى ما قدمه خوان غويتيسولو للمدينة، يستحق أن يضاف اسمه إلى القائمة، وأن نسمي مراكش مدينة “ثمانية رجال”، خصوصاً أن اثنين من السبعة (أبو القاسم السهيلي وأبو العباس السبتي) جاءا، مثله، من الأندلس!