في مثل هذا اليوم، 29 مايو/أيار، تحل الذكرى السادسة لرحيل عبد الرحمان اليوسفي، أحد آخر الكبار الذين عبروا القرن العشرين المغربي بكل ما حمله من آمال وانكسارات وتحولات كبرى. ست سنوات مضت على رحيله الجسدي، لكن الرجل ما يزال حاضرًا في الذاكرة الوطنية، ليس فقط باعتباره وزيرًا أول سابقًا أو زعيمًا حزبيًا بارزًا، بل بوصفه أحد الوجوه التي اختزلت مسار جيل كامل من المناضلين الذين آمنوا بأن السياسة رسالة قبل أن تكون سلطة، وأن الوطن يستحق التضحية مهما كانت الكلفة.
ولد اليوسفي في طنجة سنة 1924، في زمن كان المغرب يرزح تحت الاستعمار، ونشأ في بيئة صنعت وعيه الوطني المبكر. درس القانون والعلوم السياسية وحقوق الإنسان، لكنه اختار أن تكون الجامعة الحقيقية بالنسبة إليه هي الشارع الوطني بكل أسئلته وتحدياته. ومنذ شبابه انحاز إلى قضايا العمال والفئات الشعبية، فساهم في تنظيم الطبقة الشغيلة بالدار البيضاء، ثم انتقل إلى فرنسا للدفاع عن حقوق العمال المغاربة المهاجرين، مؤمنًا بأن النضال الاجتماعي جزء لا يتجزأ من معركة التحرر الوطني.
عندما دخل المغرب مرحلة المقاومة ضد الاستعمار، كان اليوسفي في قلب الأحداث. شارك في تنظيم وإدارة حركة المقاومة وجيش التحرير خلال السنوات العصيبة التي أعقبت نفي الملك محمد الخامس، وهي مرحلة ساهمت في تشكيل شخصيته السياسية ورسخت لديه قناعة مفادها أن بناء الوطن لا يكتمل إلا بالحرية والكرامة والعدالة.
لم يكن طريقه سهلاً. فقد عرف الاعتقال والملاحقة والمحاكمات والنفي، شأنه شأن كثير من أبناء جيله. اعتُقل أكثر من مرة، ووجد نفسه مضطرًا إلى الإقامة في فرنسا لسنوات طويلة بعد أحداث الستينيات، في واحدة من أكثر الفترات توترًا في تاريخ المغرب السياسي. غير أن المنفى لم يقطع صلته بقضايا بلده، بل زادها رسوخًا، وظل يحمل المغرب في قلبه واهتمامه حتى عاد إليه سنة 1980 بعد صدور العفو.
كان عبد الرحمان اليوسفي من الرجال الذين لا تقاس أدوارهم بالمناصب التي تقلدوها فقط، بل بالمواقف التي اتخذوها في اللحظات الصعبة. لذلك ظل اسمه مرتبطًا بقيم النزاهة والاستقامة السياسية، وهي قيم نادرة في زمن كانت فيه الحسابات الضيقة كثيرًا ما تتغلب على المصلحة العامة. وعندما احتج سنة 1993 على ما شاب الانتخابات التشريعية من اختلالات، لم يكن يفعل ذلك دفاعًا عن موقع شخصي، بل انسجامًا مع قناعات ظل متمسكًا بها طوال حياته.
وجاءت سنة 1998 لتضعه أمام واحدة من أهم المحطات في تاريخه السياسي حين كُلّف بقيادة حكومة التناوب التوافقي. لم يكن ذلك التعيين مجرد انتقال للمعارضة إلى تدبير الشأن العام، بل كان لحظة سياسية فارقة فتحت أفقًا جديدًا في مسار الإصلاح بالمغرب، وأسست لمرحلة من المصالحة التدريجية بين الدولة والقوى الوطنية الديمقراطية. وقد تعامل اليوسفي مع تلك المسؤولية بروح رجل الدولة الذي يدرك تعقيدات المرحلة ويؤمن بمنطق التدرج والتوافق.
لم يكن اليوسفي خطيبًا صاخبًا ولا سياسيًا مولعًا بالأضواء. كان أقرب إلى رجال الدولة الذين يفضلون العمل الهادئ على الضجيج، ويتركون أفعالهم تتحدث عنهم. لذلك ظل يحظى باحترام خصومه قبل أصدقائه، واكتسب مكانة خاصة في الوجدان المغربي بوصفه رمزًا للاعتدال والحكمة ونظافة اليد.
واليوم، بعد ست سنوات على رحيله، تبدو الحاجة إلى استحضار سيرته أكبر من أي وقت مضى. ليس من باب الحنين إلى الماضي، وإنما لاستعادة المعاني التي جسدها في حياته: الإيمان بالحوار، والتشبث بالمبادئ، والقدرة على تغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الذاتية. تلك القيم هي التي جعلت من عبد الرحمان اليوسفي أكثر من مجرد سياسي عابر في تاريخ المغرب، بل صفحة مضيئة من صفحات ذاكرته الحديثة.
لقد رحل الرجل الذي قال الكثير بصمته، وأنجز الكثير بتواضعه، وبقيت سيرته شاهدًا على أن السياسة يمكن أن تكون فعلًا أخلاقيًا نبيلًا حين يقودها رجال يؤمنون بالوطن أكثر مما يؤمنون بالمناصب. وفي الذكرى السادسة لرحيله، لا يستعيد المغاربة اسم عبد الرحمان اليوسفي فحسب، بل يستعيدون جزءًا من ذاكرتهم الوطنية، وجزءًا من حلم جيل آمن بأن الديمقراطية والعدالة ليستا شعارين، بل مشروع حياة.
















