المفاهيم المجرّدة ثروة تنهل من مستودع الطبيعة كحرف، في منطق إنسانٍ حكيم، يهدهد في الروح وجداناً شعريّاً، مشفوعاً برؤى رومانسية، تبرهن كم هو شاعر، هذا المستكشف المهاجر، الذي جاد علينا بعلم المنطق، فلم نكن لنعي لنا حضوراً في واقعٍ، حَقَّ لنا أن نسمّيه، بفضل المنطق، وجوداً، لولا عبقريّة ترويض العقل على تشريح الحرف في الطبيعة، بجراحة تستجوب فيه الوظيفة العملية، لاستخراج كنوز الروح الرسالية، السارية في مفهومٍ يعبّر عن فعلٍ كينوني.
خذ مثلا “إدَّر” الدالّة على تجربة ملحمية هي “عاش”، كترجمة من البدئية الأمازيغية؛ وهي اشتقاقٌ من “آدريه”، الدالّة على: الأثر في العربية، لأن الدال هو إبدالٌ من التاء في جل اللغات، أي أن “إدّر” ليست سوى “أثر”. هو مفهومٌ مشتقّ من مملكة الطبيعة، حيث تحتفر السيول شقّاً لها في سطوح البريّة، ليتحوّل إلى فجٍّ قد يستوي في وادٍ، فإن اتّسع أكثر، وهَوَى أعمق، صار واحةً صالحةً للإستقرار في قاعها، كما هو الحال مع واحة “إدري” جنوب الصحراء الليبية، بسبب جفاف ناتج عن المشي حافياً لأمدٍ طويل، ليغدو “آدري” هذا إسماً لكل شقّ في أي جرم، بما في ذلك الأرض، ليفصل بين حدّين، بحيث صار مع الزمن مصطلحاً أطلقته الأمّة البدئية على تضاريس الطبيعة في الجانب الشمالي من حوض المتوسط، في اليونان، ترجمةً لشقّ بحري باسم “آدري” أيضاً، لينسحب على التجويف البحري أيضاً ليسمّى “البحر الآدري”، أو الأدرياتيكي، وذلك مديحاً لكل اشتقاق في صلب الطبيعة، لا لقيمةٍ ٍتسري في الحرف، ولكن لقيمة في العلامة، قيمة في الدلالة، في الوَسم، القادر أن يتحوّل إسماً، دالّاً على معنى جسيم، لأنه كينوني، هو: أثر (أدر)، الحامل لبذرة عدميّة هي “أدريه”، الدالّة على: الضريح، حرفاً وجوهراً، لأن هذا الصرح، الذي أتقن إنسان البدايات تشييده في الواقع الفاني، إنما هو موقفٌ باسلٌ من الموت، من الفناء، من العدم، ومحاولة بطولية في إنكار لقدرة الموت على المحو، مادام المنطق في اللغة، يبرهن على حقيقة هي “إدَّر” (عاش)، هي قرين شرعي ومنطقي لـ”أدريه”، الدالّة على الأثر، والمعبّرة عن اشتقاق منه، بما هو اعتراف ضمني بحميمية العلاقة بين “إدّر” كحياة، و”أثر” كبصمة في نعش وفاة، ولكنها ليست وفاة ما ظلّت اشتقاقاً من حياة (إدّر)، أي أنهما شقّان، حدّان، ظلفتان لبوّابة واحدة، تماماً، كما الشقّ في طبيعة الأرض، عندما تهوي إلى قاع، مكوّنةً وادياً، أو مشروع واحة، صالحة للمقام، لالتقاط الأنفاس في وجودٍ هو صحراء الأبد، في محاولة لتوقيع ناموس هدنة بين الطرفين المتنازعين، المتلازمين في آنٍ معاً.
لذا حقّ لمنطوق اللغة أن يشتقّ إسم الضريح (دريه)، من “أدريه”، الدالّ على الأثر (بإبدال بين الدال والثاء)، ثم الدالّ أيضاً على “إدر” (يحيا)، لتحقيق مفهوم يقضي لصاحب الضريح بالحضور قيد الكينونة حتّى وهو مغترب في عداد الأموات، لأن ما كان يوماً، يبقى، في منطق الطبيعة، دوماً، واغترابه عن واقع الحرف، ليس فرماناً بوسام عدم، ولكنه انتقال العابر، من موقع هنا، لاحتلال موقعٍ في بُعْدٍ آخر، وهو ما يبشّر به الأثر، في حرف الضريح (دريح)، كاشتقاق من شقّين في الهاوية، كقرينين، في ملحمة الوجود فيها عدم، كما العدم فيها وجود، الضريح بينهما قاسم مشترك أعظم!
فالمغامرة السارية في إدّر، كحياة، هي شروع في حفر خندق في حرف الطبيعة، وهو، كحفر في حرف، نزيف لا يخون العهد، المبرم مع لغز الروح، الذي يسكن الضريح (دريح)، في منطق هو أثر، ليبرهن على شهادة حضور، فليس له أن يعترف بالزمان سلطاناً!













