استخدام العضلة اللئيمة، القابعة، بين قضبان الفكّين، يسمّى لغواً. من هذه المفردة البريئة، انبثق مفهوم جسيم في منطق المخلوق البشري، هو اللغة، استقام في اليونانية في كلمة: لوغوس، تعبيراً عن نشاط هذه العضلة التي لم يتردّد الكتاب المقدّس بأن ينعتها بالـ«المسمومة التي لا تُضبط»، لأن الإنسان أفلح في ترويض كل شيء في هذا الوجود، ولكنه أخفق في ترويض اللسان، لا لشيء إلّا لأنه رديف لكلمة «إنسان»، في اللغة البدئية، الأمازيغية (الليبية القديمة)، لأن حرف اللام يعني «يملك»، و«إيسّان»، تعني «يعرف»، أي «مالك العرفان»، كنايةً عن «اللسان»، الرديف الطبيعي لصاحبه وهو: الإنسان.
هو اشتقاقٌ من فعل «لغا» في العربية، الدّال على الثرثرة، المستعارة أصلاً من اللسان الأمازيغي الليبيّ البرّي: يلَّغ، بتشديد اللام، وتعني حرفيّاً: يلحس: أي استخدام هذه العضلة كقرون استشعار لتحسّس طبيعة ذات مذاق حسّ مميَّز. فوجود الحسّ هنا وضعٌ مرجعيّ، لاستصدار فرمان في حقّ واقع الفعل قيد التشخيص؛ لأن ما استثارنا دوماً، في سيرة لسان البدايات، هو هذه النزعة الحكيمة، بقدر ما هي لئيمة، في استنباط الدلالة التجريدية، في المفردة الواحدة، من واقع التجربة الحسيّة: حسيّة بما هي نسيجٌ مستعارٌ من واقع أمّنا الطبيعة، كما بينّا في موسوعتنا «بيان في لغة اللاهوت» بأجزائها السبعة، الصادرة منذ ثلث قرن. ففي معجم «لسان العرب» لمؤلّفه الأمازيغي، الطرابلسي، الليبي، الافريقي، المصري، علّامة القرون الوسطى ابن منظور، نجد كلمة «ولغ» الدالّة على شرب السّباع بألسنتها، أي شرب الماء بأطراف السان، كترجمة لمفردة «إيلَّغ» الدالّة على اللحس في الأمازيغية أو الليبية، أي استعمال العضلة في تناول سائل هو الماء، في تجربة حرفيّة، لا تلبث أن تسمو على وضعها الوضعي الوضيع، لتستوي في خطابٍ، هو معنويّ، بل وأبعد من ذلك، بما هو تجريدي، لأنه منذ الآن يستعير دور ترجمان في ملحمة الكلام!
ما هو هذا الفعل الذي نسمّيه كلاماً في العربية؟
هل هو الصوت الملتبس، الذي يصدر عن خوض عضلة اللسان في غمر الماء، أثناء عملية جراحية هي: اللّحس بقصد عبّ الماء من قبل الحيوان، ولكنه يكتسب تفويضاً بالبراءة عندما يكون تدخّلاً من إنسانٍ يسعى بعمل اللّحس لاختبار هويّة حسيّة، هي تذوّق هذا السائل، لكي يحدّد لنفسه موقفاً من التجربة؟
الأمازيغية تهرع لنجدتنا، من خلال مفهوم اللحس بالذات، لكي تنزّه الفعل من مجرّد إحساسنا باللحس، إلى تكوين رؤية في السيرة، جمالية يقيناً، من خلال فعل «يولاغ»، الدال في الأمازيغية الصحراوية، على الاستحسان: أي استحسان عمل اللّحس، الذي لا يعود مجرّد تحسّس من حسّ، ولكنه تذوّق ينجم عن استحسان، أي الانتقال بالتجربة من مستوى الواقع الحسّي، من خلال الذائقة، إلى منزلة أسمى وهي الجمال، تماماً كما تهدينا المتون المقدّسة درساً مجانياً في سفر التكوين: «وقال الله ليكن نور، فكان نور، ورأى الله النور أنه حسنٌ» (التكوين 1:3)، أي أن تكوّن النور كان رهين القول، رهين اللّغو، رهين استعمال عضلة هي اللسان، من خلال تجربة لحس، المترجمة للخوض في الغمر، لاستحداث رؤية جمالية، ناتجة عن موقف إزاء حسّ اللّحس، الحُسْنُ فيه آية، لأنه «يولاغ»، أي حَسَن، بشهادة الواقع في المستوى العملي.
وعلّ ما سوف يستثير دهشتنا أكثر هو كلمة: «آلّاغ» الأمازيغية الصحراوية، الدالّة على سلاحٍ شائع هو: الرُّمح، استعارةً من مصدر هو «يلّغ»، أي يلحس، لأن رسالة الرمح هو أن يلغو أيضاً، أي أن يخوض في غمرٍ، ليس هو الماء هذه المرّة، ولكنه: الدمّ!
فالرمح، في مفهوم العقليّة البدئيّة الخلّاقة، أيضاً سلاح، تماماً كما اللسان، الذي يلحس الطعوم، سلاحٌ فتّاك، وكثيراً ما كان في مفعول الاستعمال، أقوى فتكاً من سلاح المعدن؛ وإلّا لما حرّضَنا المتن المقدّس نفسه من وجوب صون اللسان من قول الدّنَس، المترجَم في حرف البهتان.
هنا ينتصب أمامنا شعاع منارة أخرى، في مسيرة مستودع الحسّ، عندما يستعير مواهب الصوت، الذي لا يلبث أن يتأهّل، ليلعب دور البطولة في تفكيك أحجية اللغة، لأن رطانة اللسان، وهو يتخبّط في الغمر، تخبّط حديث عهدٍ بالسباحة، ليطلق سراح برطمة مبهمة، هي رسالة بوجود لقية أخرى مترجمة في حرف هذا الصوت، بوصفه معزوفة تجرح بكارة صمتٍ، هو حتّى الآن عنوان الكينونة، فلا نملك إلّا أن نتزعزع شجناً، في نيّةٍ محمومةٍ لتلبية النّداء: أي انتهاك حرمة سكون العدَم، كما بشّر به سفر التكوين في أنشودة المفتتح الخالد: «في البدء خلق الله السماوات والأرض، وكانت الأرض خربةً وخاليةً، وعلى وجه الغمر ظلمةٌ، وروح الله يرفّ على وجه المياه» (التكوين 1:1،3).
هذا الوضع العدميّ في سيرة الخلق، هو ما حاول اللسان الأوّل، أن يعبّر عنه بحرف الصوت، الآتي من حسٍّ شفيف، مهووس، ورهيف في حساسيّته، في فعل «يلَّغ» الذي يترجم هنا أيضاً وضع الإفادة، من خلال دلالة أخرى، هي: الإخبار (أخبر)، أي ميلاد القول، في صيغة النبوءة؛ ليبرهن المخلوق، منذ البدء، كم هو هويّة يقين، كم هو مبدع دين!
الإخبار (يلّغَتْ) أوّل حرف في أبجديّة الوعي: الوعي كبرهان على تعاطي الحضور قيد الوجود! أي الترجمة الحقيقية لمبدأ المبادئ، المجسّد في الوصيّة الإنجيليّة: «في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله» (إنجيل يوحنّا: 1،3 ).
الكلمة تتبخّر فيما إذا اغترب جهاز التقاط هو السمع. والسمع هو السماء، لأن العين العربية دوماً همزة، حتّى في تشكيل حرف العين، القرين لحرف الهمزة. وهو ما يعني التحريض على هويّة الطينة في السمع وهي السموّ: السموّ كمنجَم وحي، والمستودع السخيّ لما اعتدنا أن نسمّيه نبوّةً. والتجربة برهنت دوماً على الصلة الحميميّة بين الإلهام النبويّ، وبين حاسّة التلقّي، وهي الأذن كجهاز لالتقاط الصوت. وكلّ الأنبياء اعترفوا بوجود نداء سابق على نزول الوحي، في صيغة مسموعة، تماماً كما أجمع عظماء الشعراء على اغتنام هذه اللّقية، مترجمة في سياق هتاف ملحون، مسبوق بسماع صوت كطنين نحلة، كما يتعرف شيللر، قبل أن يستقيم في جملة جمالية، مستوفاة للشروط الشعرية، وما التهم التي اعتاد وجهاء قريش أن يوجهوها للنبي محمد (ص)، بوصفه شاعراً، إلّا لوحدة النبع الذي تنهل منه كل حُجّة نبويّة. وعلّ تصنيف ابن خلدون لمنازل النبوّة أقوى دليل على ذلك. هنا تزدوج رسالة المفردة العبقرية البدئية، المجسّدة في حرف «يلَّغَتْ» في معنى: أفاد، أو أعلَمَ، وصيغتها الأخرى «إيلَّغ»، الدالّة على اللّحس، سواء في صيغة «تذوّق» ذات الحمولة الجمالية، أو في صيغة، استطعام حسّ مّا، يلعب فيه اللسان دور قرون استشعار، لاستكشاف ماهيّة اللّغو، كحفنة أصوات، لا تتردّد في أن تتمرّد على بلبلتها، لتستوي في صوتٍ، واعدٍ بالبرهان الجسيم، على حضورٍ قيد أنفاس: تلك الأنفاس التي نصّبتها الديانات الفيديّة الهنديّة كياناً للكينونة، كما تتغنَّى أناشيد أوبانيشاد. وهو ما لا يتحقق بدون حساسية شفيفيّة، غاية في النقاء، هي رأسمال إنسان التكوين، في مرحلة تكوين المفاهيم، ليفلحوا في توليد المفاهيم الحدسية، من واقع التجربة الحسيّة، في مرحلة لا وجود فيها لحدود، بين السماء والأرض، بين الروح والحرف، بين اللسان، وبين الثروة التي يرطن بها اللسان، لأن كليهما طينة ملفّقة من ذات الأرومة التي شكّلت كيان الكينونة!
فالكلمة همزة وصل بين السماء والأرض، رهان التماهي بين الأسافل والأعالي، حلول الإنساني والألوهي، والدليل يجود به علينا حرف التجربة، لأننا اعتدنا، في صحراء مسقط رأس التكوين، أن نسجد أرضاً، عند توقنا لسماع الصوت النّائي، النّبوي، في طقسٍ حميم تلتصق فيه الأذان بالأرض، في عناقٍ حسّي، كأننا نتوسّل هذه الأسافل كي تتوسّط لتلعب دور الرسول لاستنزال الوصيّة من مستودعها في السماء؛ والكلمة، في هذه الصفقة الغيبيّة، تلعب دور البطولة، لأن الحقيقة التي نهفو لالتقاطها، غنيمة سماء، ولكنها لا تستسلم بدون شفيعٍ هو الأرض!
إنه البرزخ، في معراج سفر الأسفار، الذي تنتقل فيه الشراكة بين القطبين (الأرضي والسماوي) من خانة وحدة الكائنات، إلى منزلة وحدة الوجود.
فالقطب السماويّ هو: الوحي، والقطب الأرضي هو: الوعي؛ والحميميّة في القِران بينهما يفضحه لغو اللغة، الساري في برطمة عضلة اللسان وهي تخوض يمّ الحسّ، المترجم في حرف توحيد؛ لأن الحاء في كلمة «وحي» هو المنطوق ذاته في عين «وعي»، للبرهنة على تجربة التماهي، في المفهوم، بوصفها اسم واحد لمنزلتَين، أوّلهما سماوية، وثانيتهما أرضيّة، في جدل العلاقة بين القطبين الأزليّين، كوجهين لطبيعة واحدة، يرجع لها الفضل في تشكيل كينونة رأسمالها زواج الحدس (السماء) والحسّ (الأرض).
الفضاء، في القسمة، حقلٌ شاسع، مسكون بأفلاك تستثير الفضول، وقرون الاستشعار، في استجوابها، الحدَس، ولهذا السبب صارت السماوات عرّاب اللاهوت، في حين تولّت الأرض، كغنيمة حسّ، لعب دور عرّاب ناسوت!
















