وهي تدرك عامها الحادي والتسعين، لا تبدو جميلة بوحيرد بحاجة إلى استعادة سيرة يعرفها الجزائريون والعالم عن ظهر قلب. فاسمها خرج منذ زمن بعيد من حدود الشخص إلى فضاء الرمز. غير أن ما يثير التأمل اليوم ليس تاريخ جميلة بوحيرد الثوري، بل علاقتها المعقدة بالشهرة والذاكرة، وكيف اختارت، على خلاف كثير من رموز التاريخ، أن تتوارى خلف الأسطورة التي صنعتها بنفسها.
إذا كان شهر مارس هو شهر الشهداء، فإن شهر يونيو/حزيران يكاد يكون شهر “جميلة بوحيرد” وحدها، لا بوصفها شهيدة من شهداء الثورة، بل بوصفها “الشهيدة الحية”.
جميلة التي رفضت أن تتحدث عن نفسها
تعيش جميلة اليوم بعيداً عن الأضواء، في شقة متواضعة بأعالي العاصمة الجزائر، على بعد أمتار قليلة من قصر المرادية. نادراً ما تظهر في المناسبات العامة، وتكاد ترفض جميع الحوارات الإعلامية، مكتفية بالقول إنها قالت كل شيء. ومع ذلك، فإن كل صورة جديدة لها تتحول إلى حدث، وكل ظهور عابر يعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر الشخصيات حضوراً في الوجدان الجزائري والعربي والعالمي.
منذ سنوات طويلة، اختارت جميلة بوحيرد الصمت. ليس لأنها نسيت، بل ربما لأنها تتذكر أكثر مما ينبغي. ففي كتاب “في أثر جميلة بوحيرد.. رواية توثيقية”، تنقل الباحثة والروائية نجود قلوجي واحداً من أكثر تصريحاتها ألماً وصدقاً: “إن كان لا بد أن أتكلم، فلن أتكلم إلا عن الشهداء، لأنهم يقيمون في أحشائي وفي قلبي حزن كبير عليهم، وأعتقد أنني سأبكي لو استدرجني الكلام عنهم أكثر”.
ظلت جميلة تستحضر رفاق الكفاح أكثر مما تستحضر نفسها. وحتى عندما طُلب منها أن تروي تفاصيل تجربتها الشخصية، كانت تدفع الضوء نحو الآخرين. ولهذا السبب في كتابها الضخم الذي قضت في إعداده أكثر من 7 سنوات، “عرائس بربروس.. مجاهدات على قيد الخلود” (منشورات الوكالة الوطنية للنشر والإشهار 2014)، أوردت قلوجي ردّ جميلة الذي فاجأها: “أريد أن أدعوكِ للكتابة عن مناضلات الجزائر الأوروبيات، فهن وحدهن العظيمات، لأن ما قمنا به نحن الجزائريات كان واجبنا لا أكثر، أما ما قمن به هن، فكان أكثر من الواجب!”
وعندما راحت نجود قلوجي تقول لها أن الكاتِبة الفرنسية أندريه دور أوديبير أوردت لهن أكثر من 200 صفحة في كتابها “فرنسيات الجزائر خلال حرب التحرير..”، ردت: “أدري، لكن سيسُعِدُهن أكثر لو أن التي كتبت عنهن جزائرية من الجزائر.”لم يكن هذا الموقف طارئاً في شخصيتها. فشقيقها عزيز بوحيرد يلخصها بجملة واحدة حين يقول: “جميلة ليست من النوع الذي يتحدث عن نفسه في كل مناسبة”.
فرجيس وعبوة الهريسة والكعب العالي!
كانت جميلة واحدة من ست مجاهدات أصدرت العدالة الاستعمارية الفرنسية أحكاماً بالإعدام في حقهن: جميلة بوحيرد، جميلة بوعزة، جاكلين نيتور قروج، جوهر عكرور، باية حسين، وزهية خلف الله. لكن حتى في أكثر المحطات قسوة، كانت الذاكرة الإنسانية حاضرة بقوة.
تستعيد جميلة في شهاداتها بعض تفاصيل علاقتها بمحاميها جاك فرجيس، الذي تحول لاحقاً إلى زوجها، فتروي كيف كان يزورهن في السجن، ويحاول التخفيف من معاناتهن بأبسط التفاصيل الإنسانية: “لقد جاء مرة لزيارتنا في السجن، لقد سمح له مدير السجن بتناول الطعام معنا، أحضر لي هدية ذات يوم، جعلت الأخوات يشعرن بالغيرة، وتفاجأن كثيراً حين عرفن أنها عبوة هريسة (معجون فلفل حار) فكلانا كان يحب الحار مع الطعام، كان هذا الرجل رائعاً، لقد اشترى لكل منا نعلاً، نمشي به بعد خروجنا من السجن لأننا نسينا تقريباً طريقة المشي والكعب العالي سيكون معضلة بالنسبة إلينا”، هي تفاصيل صغيرة، لكنها تكشف جانباً آخر من الثورة، الجانب الإنساني الذي غالباً ما تطغى عليه البطولات الكبرى والأحداث التاريخية.

لم تكن جميلة ابنة الثورة فقط، بل ابنة بيئة تشكل فيها الوعي الوطني منذ الطفولة. كانت والدتها باية، رغم عدم تلقيها تعليماً نظامياً، تتمتع بوعي وطني عميق. وتتذكر جميلة أن أفراد الأسرة كانوا يرددون قبل الطعام دعاءً بسيطاً لكنه شديد الدلالة: “نذوق جديد والخير يزيد ونموت شهيد”. تقول جميلة إن هذا الدعاء جعلهم يشعرون وكأنهم ولدوا من أجل قضية أكبر من ذواتهم، في بيت كانت الوطنية فيه جزءاً من التربية اليومية.
جميلة.. الإنسانة بعد الثورة
المفارقة أن المرأة التي تحولت إلى أشهر رموز الثورة الجزائرية لم تتحدث كثيراً عن حياتها بعد الاستقلال. فبينما كان كثيرون يبحثون عن مواقع ومناصب، انشغلت جميلة مع رفيقاتها بمصير أبناء الشهداء. وتروي رفيقة السلاح زهرة ظريف، كيف أنهن أسسن بعد الاستقلال جمعية لرعاية يتامى الحرب، وفاءً لوصايا رفاق السلاح الذين رحلوا. حتى علاقتها بفرنسا ظلت محكومة بنظرة إنسانية مدهشة.
عندما أطلق سراحها من سجن “رين” بعد اتفاقيات “إيفيان” ووقف إطلاق النار في 19 مارس/آذار 1962، أمضت ثمانٍ وأربعين ساعة تمشي في شوارع باريس دون توقف، مأخوذة بجمال المدينة، قبل أن تتساءل بعفوية: “ما دامت بلادهم جميلة إلى هذا الحد، فلماذا يطمعون في بلادنا؟”
بين الأسطورة والخذلان السينمائي
لقد تحول اسم جميلة بوحيرد إلى رمز عالمي لمقاومة الاستعمار. كُتبت عنها الكتب، وغُنّيت الأغاني، وصارت صورتها تتجاوز حدود الجزائر إلى العالم العربي وأبعد منه. غير أن هذه المكانة الاستثنائية تطرح سؤالاً مؤلماً: كيف تحولت جميلة بوحيرد إلى أيقونة عالمية، بينما ما تزال تنتظر إلى اليوم عملاً سينمائياً جزائرياً ضخماً يروي سيرتها كما تستحق؟ فالفيلم الأشهر الذي خلّد اسمها على الشاشة كان فيلم “جميلة” للمخرج يوسف شاهين، وهو إنتاج عربي لا جزائري.
كما أن شخصيات وطنية كبرى أخرى لم تجد طريقها إلى السينما الجزائرية إلا متأخرة أو عبر مخرجين من خارج الجزائر، على غرار فيلم ابن باديس للمخرج السوري باسل الخطيب. وإذا كانت الجزائر قد شرعت اليوم في التحضير لفيلم كبير عن الأمير عبد القادر برعاية رسمية وازنة، فإن ذلك يعيد طرح سؤال الذاكرة السينمائية الجزائرية، وقدرتها على تحويل رموزها التاريخية إلى أعمال فنية كبرى تخاطب العالم بلغتها الخاصة. فجميلة بوحيرد ليست مجرد بطلة من بطلات حرب التحرير، بل شخصية درامية وإنسانية عالمية، تختزن من التراجيديا والأمل والشجاعة ما يكفي لعشرات الأفلام.
جميلة التي ما زالت تعتب على الجزائر
رغم كل شيء، لم تنسحب جميلة من الشأن العام. فعندما خرج الجزائريون إلى الشارع في حراك 22 فبراير/شباط 2019، كانت حاضرة بينهم، متقدمة الصفوف رغم تقدمها في السن. وقبل ذلك بسنوات، قالت في أحد حواراتها: “أحياناً أعتب على هذه الجزائر، لكن حين أرى شباب الجزائر ونساءها المثقفات اللائي صرن يسرن بمفردهن في الطريق ولم يعدن ظلالاً للرجال، أشعر بالفخر، لأني حاربت لأجل الجزائر”. كان ذلك عتب المحب لا عتب الغاضب، وعتب من يرى في الأجيال الجديدة استمراراً للحلم الذي حمله جيل الثورة.
لعل أجمل ما في جميلة بوحيرد أنها لم تحاول أبداً أن تكون جميلة بوحيرد. بينما كانت الكتب والأفلام والأغاني تصنع منها أسطورة، كانت هي تعود دائماً إلى الشهداء، وإلى رفيقاتها المنسيات، وإلى أولئك الذين لم ينالوا ما نالته من شهرة. في عامها الحادي والتسعين، تبدو جميلة بوحيرد وكأنها تقدم درساً أخيراً في معنى البطولة: أن يصبح الإنسان رمزاً من دون أن يسعى إلى ذلك، وأن يبقى وفياً للذاكرة الجماعية حتى وهو يرفض الحديث عن نفسه. بعض الشخصيات تصنعها الأضواء، أما جميلة بوحيرد فصنعتها القضية التي آمنت بها، ثم تركت رمزها يتكلم عنها.















