في فيلمه الجديد يوم الإفصاح، لا يكتفي ستيفن سبلبرغ بالعودة إلى عالم الخيال العلمي الذي صنع جزءاً كبيراً من مجده السينمائي، بل يستخدمه هذه المرة كمرآة لقلق العالم المعاصر. فالفيلم لا يتعامل مع فكرة الكائنات الفضائية بوصفها مادة للدهشة البصرية فقط، بل كاختبار نفسي وحضاري لعالم فقد ثقته بالحقيقة والمؤسسات. وبين أجواء التوتر الكوني وأسئلة ما بعد الحقيقة، يقدّم سبلبرغ عملاً يبدو أقرب إلى تأمل فلسفي في هشاشة الإنسان منه إلى فيلم غزو فضائي تقليدي.
في فيلمه الجديد “يوم الإفصاح” يعود ستيفن سبلبرغ إلى سمائه القديمة، لكن ليس بالطريقة التي عرفناه بها في “لقاءات قريبة من النوع الثالث” أو “إي. تي”. هذه المرة لا يرفع سبلبرغ رأسه إلى النجوم بحثاً عن الدهشة الطفولية، بل ينظر إلى الأرض، إلى عالمٍ ينهار تحت وطأة الشك، الخوف، والتضليل الجماعي. كأن المخرج الذي صنع خيال أمريكا العلمي في السبعينيات عاد اليوم ليصوّر كوابيسها السياسية والإعلامية.
لحظة كونية فاصلة
الفيلم، الذي كتبه ديفيد كوب وأنتجته استوديوهات “يونيفرسال”، يدور حول لحظة كونية فاصلة: ماذا سيحدث لو تأكد البشر أخيراً أنهم ليسوا وحدهم في هذا الكون؟ ليس السؤال هنا علمياً، بل حضارياً وأخلاقياً. سبلبرغ لا يهتم بالكائنات الفضائية بقدر اهتمامه بانهيار البنية النفسية للعالم عندما تسقط “الحقيقة الكبرى” فجأة فوق رؤوس الجميع.
منذ الإعلان الأول عن الفيلم، تعمّد سبلبرغ اللعب على مفردة “الإفصاح” أو “الكشف”، وهي كلمة لم تعد بريئة في الثقافة الأمريكية المعاصرة، خصوصاً مع تصاعد نظريات المؤامرة المتعلقة بالأطباق الطائرة والملفات السرية للبنتاغون. ولهذا يبدو “يوم الإفصاح” أقلّ قرباً من سينما الخيال العلمي التقليدية، وأكثر التصاقاً بمناخ ما بعد الحقيقة الذي يهيمن على عالم اليوم. حتى سبلبرغ نفسه صرّح بأن الفيلم “أقرب إلى الحقيقة منه إلى الخيال”.
التقاط نبض العصر
اللافت أن المخرج، الذي تجاوز الثمانين، لا يزال يحتفظ بقدرته المدهشة على التقاط نبض العصر. ففي زمن تتآكل فيه الثقة بالمؤسسات، وتختلط فيه الأخبار بالمؤثرات الرقمية، يصبح سؤال “هل نعرف الحقيقة فعلاً؟” أكثر رعباً من سؤال “هل توجد حياة خارج الأرض؟”. هنا تحديداً ينجح الفيلم في التقاطع مع قلقنا الجماعي المعاصر: الخوف ليس من الفضائيين، بل من الإنسان حين يفقد يقينه بالعالم.
بصرياً، يبدو الفيلم استمراراً لتعاون سبلبرغ التاريخي مع مدير التصوير يانوش كامينسكي، حيث تعود الإضاءات الباردة والسماء الثقيلة واللقطات الليلية المشبعة بالتوتر. أما موسيقى جون ويليامز فتمنح العمل ذلك البعد الميتافيزيقي الذي يجعل الرعب مشوباً بالرهبة. إنها ليست موسيقى غزو فضائي، بل موسيقى انتظار طويل لحقيقة مؤجلة.
وجه مثالي لقلق كوني
ويبدو أن سبلبرغ وجد في إيميلي بلانت وجهاً مثالياً لهذا القلق الكوني. فالشخصية التي تؤديها ليست بطلة خارقة، بل امرأة عادية تُدفَع إلى مواجهة حدث يتجاوز قدرتها على الفهم. وهذا ما فعله سبلبرغ دائماً في أفضل أفلامه: تحويل الإنسان العادي إلى شاهد على ما لا يمكن تفسيره.
النقاد الذين شاهدوا الفيلم مبكراً (ستبدأ عروضه التجارية في 12 يونيو/حزيران المقبل) تحدثوا عن “عودة سبلبرغ الكبرى” وعن واحد من أفضل أفلامه منذ سنوات طويلة. بعضهم وصفه بأنه يمزج بين مغامرات إنديانا جونز والنبرة الوجودية لأفلامه المتأخرة. لكن الأهم من كل ذلك أن الفيلم يعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: ماذا يبقى من الحضارة عندما يصبح هول الحقيقة أكبر من قدرة البشر على التحمّل؟
في النهاية، لا يبدو يوم الإفصاح فيلماً عن الكائنات الفضائية بقدر ما هو فيلم عن هشاشة الإنسان المعاصر. وربما لهذا السبب تحديداً يعود سبلبرغ إلى الخيال العلمي اليوم: لأن الواقع نفسه صار أكثر غرابة من الخيال!















