عثمان تزغارت
عثمان تزغارت

مقالات مشابهة

ذكرى

شهيد الكلمة الحرّة في الجزائر.. طاهر جاووت: 33 سنة على اغتيال رجل أشهر قلمه في وجه عاصفة الظلام

عثمان تزغارت
عثمان تزغارت

ثلاثة وثلاثون سنة مرّت على اغتيال الروائي والإعلامي طاهر جاووت، أحد أبرز الأصوات الفكرية والأدبية التي أنجبتها الجزائر المعاصرة، وأحد الرموز التي دفعت حياتها ثمناً للدفاع عن حرية الفكر والتعبير في مرحلة من أكثر مراحل تاريخ البلاد اضطراباً وألماً.

في مثل هذه الأيام من سنة 1993، لم تكن الجزائر تفقد مجرد روائي أو صحفي لامع، بل أحد أبرز الأصوات التي راهنت على الكلمة في زمن كان الرصاص فيه أعلى صوتاً. ثلاثة وثلاثون عاماً مرت على اغتيال طاهر جاووت، لكن الأسئلة التي أثارها موته لا تزال حاضرة: ماذا يحدث لمجتمع يصبح فيه الكاتب هدفاً؟ وماذا يعني أن تتحول الكلمة إلى تهمة، والكتاب إلى خطر، والصحفي إلى مشروع ضحية؟

لقد أراد قاتلو طاهر جاووت إسكات صوته، لكنهم منحوه، من حيث لا يدرون، حياة أخرى في الذاكرة الثقافية الجزائرية. فالرجل الذي سقط برصاص الإرهاب بقي حاضراً في كتبه ومقالاته ومواقفه، بينما تهاوت معظم الشعارات التي رفعتها قوى الظلام آنذاك.

مثقف اختار القطيعة والمواجهة

لم يكن طاهر جاووت من أولئك الكتّاب الذين يكتفون بمراقبة الأحداث من أبراجهم العاجية. كان منخرطاً في معركة فكرية حقيقية، يدافع عن الجزائر التي تتسع للاختلاف، وعن الثقافة باعتبارها حصناً ضد التعصب، وعن حرية التعبير باعتبارها شرطاً أساسياً لبعث مشروع مجتمعي حديث.

جمع بين موهبة الروائي وحساسية الشاعر وجرأة الصحفي. في كل ما كتب، كان الإنسان يحتل مركز الاهتمام. لم يكن معنياً بصراعات السلطة بقدر ما كان معنياً بمصير المواطن البسيط ومستقبل بلد وجد نفسه في مواجهة واحدة من أخطر الأزمات في تاريخه المعاصر.

مع بداية التسعينيات، دخلت الجزائر نفقاً دامياً تحولت فيه الساحة الثقافية والإعلامية إلى واحدة من ساحات المواجهة. لم يكن الإرهابيون يستهدفون رجال الأمن وحدهم، بل كانوا يدركون أن المعركة الحقيقية تدور أيضاً حول العقول.

في ذلك المناخ المشحون، برز طاهر جاووت كصوت رافض للاستسلام. لم يخف مواقفه ولم يبحث عن مناطق آمنة. كان مقتنعاً بأن المثقف الذي يصمت في اللحظات المصيرية يفقد مبرر وجوده. لذا، أطلق مقولته الشهيرة: “الصمت موت. وأنت إن صمتَ مُتَّ، وإن تحدثتَ مُتّ. اذن، قل ومُت!”

لذلك لم يكن اغتياله حادثاً معزولاً، بل كان جزءاً من محاولة منظمة لإخضاع المجتمع عبر نشر الخوف وإسكات النخب الفكرية والثقافية.

الفكر في مواجهة الرصاص

بعد ثلاثة وثلاثين عاماً، يمكن القول إن الرصاصة نجحت في قتل الرجل لكنها فشلت في قتل رسالته. فما زالت أعماله تُقرأ، وما زال اسمه يُستحضر كلما طُرحت أسئلة الحرية والحداثة ودور المثقف في المجتمع.

لقد أثبتت التجربة الجزائرية أن الإرهاب الإسلاموي قادر على صناعة المآسي، لكنه عاجز عن بناء المستقبل. أما الذين راهنوا على الثقافة والمعرفة فقد تركوا أثراً أبقى وأعمق من أثر العنف والدّم.

وما من شك بأن استحضار ذكرى طاهر جاووت اليوم ليس وفاء لكاتب كبير فحسب، بل هو وفاء لفكرة الجزائر التي آمن بها: جزائر الحوار بدل الإقصاء، والعقل بدل التعصب، والكلمة بدل الرصاصة. “جزائر “الفئة التي تريد المضي قُدما، في مواجهة من الفئة التي تريد بالبلاد سير القهقرى”.

ثلاثة وثلاثون عاماً مرت على اغتياله، لكن اسمه ما يزال شاهداً على حقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: يمكن اغتيال صاحب الكلمة، أما الكلمة فإنها تبقى إلى الأبد عصية على الاغتيال.