الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

مقالات مشابهة

حوار

المؤرخ بنجامين ستورا: الذاكرة بين الجزائر وفرنسا تعود إلى الواجهة.. والاعتراف يصطدم بحسابات السياسة وتاريخ الاستعمار

الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

تعود قضية الذاكرة بين الجزائر وفرنسا إلى واجهة المشهد السياسي من جديد، مع إعادة تفعيل “ورشة الذاكرة” بين البلدين بعد أشهر من التوتر الدبلوماسي. في هذا السياق، يبرز اسم بنجامين ستورا كأحد أبرز الوجوه المنخرطة في هذا المسار، خاصة بعد التقرير الذي سلّمه للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول قضايا الذاكرة والمصالحة.

شارك ستورا، خلال زيارته إلى الجزائر، في عدد من الفعاليات المرتبطة بالماضي الاستعماري، من بينها إحياء ذكرى مجازر 8 مايو/أيار 1945. وفي هذا الحوار الخاص لـ “غلوبل ووتش عربية”، يفتح المؤرخ الجزائري-الفرنسي، ابن قسنطينة، ملفات الذاكرة العالقة، ويتحدث عن موقعه كوسيط بين ضفتين لا تزالان تبحثان عن صيغة مشتركة لقراءة الماضي.

– هل يتجه ملف الذاكرة بين الجزائر وفرنسا نحو تسوية عادلة، أم سيظل معلقًا سياسيًا؟

– بنجامين ستورا: سيُستأنف ملف الذاكرة، الذي ظل معلقًا لفترة طويلة، خلال الأشهر المقبلة، لا سيما من خلال انعقاد اللجنة المشتركة للمؤرخين الفرنسيين والجزائريين، بداية في الجزائر. وسيكون من الضروري استئناف الأشغال التي كانت قد بدأت حول التسلسل الزمني الدقيق للتغلغل الاستعماري الفرنسي في الجزائر طوال القرن التاسع عشر، مع تحديد مواقع المجازر وأماكن المقاومة، ووصول الاستيطان الأوروبي، ومراحل نزع الملكية العقارية، وغيرها. 

كما ينبغي مواصلة جرد ورقمنة الأرشيف المتعلق بهذه المرحلة، تمهيدًا لاسترجاعها. هناك أيضًا وُرَش أخرى لا تزال مفتوحة، تتعلق باسترجاع بعض الرموز والقطع التاريخية، مثل مدفع بابا مرزوق أو مفتاح مدينة الأغواط.

– أين يكمن الانسداد الحقيقي في مسار الاعتراف بالجرائم الاستعمارية الفرنسية في الجزائر: على المستوى السياسي، أم المجتمعي، أو في كتابة التاريخ؟

– هناك مستويات عدّة تتداخل أحيانًا وتُعرقل الاعتراف بالجرائم الاستعمارية. فعلى المستوى السياسي، يوجد اليمين المتطرف الفرنسي الذي ما زال يسكنه الحنين إلى “الجزائر الفرنسية”، الذي يرفض تحمّل مسؤولية الماضي الاستعماري، هو اليوم مدعوم أيضًا من طرف اليمين التقليدي الذي تخلّى عن الإرث التاريخي للديغولية.

أما على مستوى كتابة التاريخ، فالإمكانيات المخصصة للعمل على هذه القضايا تبقى ضعيفة جدًا، خاصة في ما يتعلق بغياب ميزانية حقيقية لعمل لجنة المؤرخين، على سبيل المثال. إن المواقف السياسية المؤيدة للاستعمار، إلى جانب ضعف الوسائل الموجهة للبحث التاريخي، لا تسمح بتكوين معرفة دقيقة وواسعة بهذه القضايا داخل المجتمع.

GWA

وفي هذه الورشة المرتبطة بالذاكرة وما يعرفه من انسدادات مستمرة، يجب أيضًا أخذ مكانة الهجرة الجزائرية بعين الاعتبار. ففي بجاية، وخلال الملتقى الذي نظمته الجامعة في مايو 2026 حول  “نجم شمال إفريقيا”، هذا التنظيم الذي تأسس سنة 1926 من أجل استقلال الجزائر، تم تناول تاريخ هذه الهجرة، وتوضيح أن فهم هذا التاريخ يسمح أيضًا بفهم العلاقات المعقدة والروابط القائمة بين هذه الهجرة والمجتمع الفرنسي. هناك عدد كبير من الباحثين المتخصصين في هذا المجال، وقد أشرت إلى أعمال عمر كارليي، وعبد المجيد مرداسي، وروني غاليسو، ومؤخرًا دحو جربال، الذين اعتمدوا في تحليلاتهم على شهادات مناضلي الاستقلال، وكذلك العمال المهاجرين.

لقد حاولت، من مرسيليا إلى لونغوي، ومن أحياء الصفيح في نانتير، إلى المقاهي الجزائرية في ليون، ومن التنظيمات السياسية مثل “نجم شمال إفريقيا” إلى تجار مرسيليا، تقديم غوص في الحياة اليومية لهؤلاء الرجال والنساء الذين ظلوا في كثير من الأحيان “غير مرئيين”، رغم أن تاريخهم يمثل جزءًا من التاريخ الذي لا يزال المجتمع الفرنسي يرفض مواجهته بوضوح. وهنا يصبح العمل التاريخي ضروريًا لتجاوز الانسدادات والصور النمطية السلبية المرتبطة بالجزائريين. 

– دعيتم كضيف شرف لحضور عرض الفيلم الوثائقي “لويزة إيغيل أحريز.. مذكراتي الأخيرة” ضمن مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، الذي أعاد إلى السطح مسألة التعذيب الذي مورس بشكل ممنهج من طرف المستعمر الفرنسي.  ماذا تمثل، تاريخيًا وأخلاقيًا، شهادة لويزة إيغيل أحريز؟ وهل يمكن اعتبارها فعلًا ملفًا لا يسقط بالتقادم؟

– لقد حضرت بالفعل عرض الفيلم المخصص للويزة إيغيل أحريز. وهو فيلم وثائقي مُحكم البناء، مؤثر، ويُظهر ما جرى خلال “معركة الجزائر”، حيث استُخدم التعذيب بشكل واسع من طرف الجنود الفرنسيين ضد المناضلين الجزائريين. كما يُبرز الفيلم أيضًا النضال الذي خاضته النساء الجزائريات. ونرى فيه كذلك موقف طبيب فرنسي تصرف بدافع إنساني لإنقاذ لويزة إيغيل أحريز من موت كان وشيكًا. هذه الشهادة مهمة حتى تكتشف الأجيال الشابة هذا الماضي.

وفي عنابة، شاركت أيضًا في “ماستر كلاس” رفقة أحمد بجاوي، تناولنا فيها تمثلات حرب الاستقلال الجزائرية. واليوم، وبعد توفر مسافة زمنية كافية، إضافة إلى عدد معتبر من الأبحاث والوثائق العامة والخاصة، أصبح من الضروري إنجاز حصيلة شاملة لهذه المرحلة. وقد أردت لهذه الحصيلة أن تكون متعددة الأصوات والزوايا.

لذلك، لم يكن ممكنًا تجاهل الإبداع الجزائري، سواء الذي أنجزته مجموعات منظمة أو حتى المبادرات ذات الطابع الهاوي. وكان هذا أحد الجوانب الأساسية في مداخلتي: تقديم رؤية الطرف الجزائري، وهي رؤية جوهرية، خاصة وأن الحرب كانت غير متكافئة بين جيش استعماري قوي ومجاهدي الثورة.

إن الوثائقيات والصور التي أنجزها مناضلون جزائريون، حين تُفكك وتُشرح وتُعاد قراءتها، تعيد جزءًا من حقيقة تلك المرحلة. الوثائقي حول لويزة إيغيل أحريز، أو الأعمال الروائية الكبرى مثل فيلم “وقائع سنين الجمر” للمخرج محمد لخضر حمينة، تحمل في داخلها ثقل الذاكرة، وهو ما يجعلها حاضرة بقوة إلى اليوم، ومؤثرة وحية بهذا الشكل. إنها ترافق التقدم الجاد للبحث التاريخي، وتمنحه بعدًا إضافيًا، سواء من حيث الوقائع التي تستحضرها، أو من خلال موقعها ضمن تاريخ الصورة والتمثلات البصرية بشكل أوسع.