هيمنت لغة الأرقام والبحث عن شراكات متكافئة، والقطيعة مع الماضي، على مناقشات قمة “إفريقيا إلى الأمام” التي نظمتها فرنسا وكينيا، واختتمت أعمالها في العاصمة الكينية نيروبي، الثلاثاء؛ بمشاركة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلى جانب 30 رئيس دولة وحكومة إفريقية، وأكثر من ثلاثة آلاف من ممثلي الشركات والهيئات الاقتصادية والسياسية والمجتمعية.
استحوذت القمة على اهتمام واسع لكونها الأولى من نوعها التي تُعقد منذ عام 1973 في دولة ناطقة بالإنجليزية، بالتزامن مع تراجع نفوذ فرنسا في القارة، بعد سنوات من العلاقات المتوترة مع مستعمراتها السابقة، خصوصًا في دول الساحل.
وأعلنت فرنسا خلال القمة عن استثمارات فرنسية-إفريقية تجاوزت الـ 27 مليار دولار من القطاعين العام والخاص، شملت مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة والزراعة وغيرها.
التزامات استثمارية ضخمة
أكد ماكرون أن الحصة الفرنسية من الحزمة الاستثمارية من شأنها توفير 250 ألف وظيفة مباشرة في إفريقيا وفرنسا. وركّز الدبلوماسيون والمستثمرون على حجم هذه الالتزامات، مع الإقرار بأن الاختبار الحقيقي سيظل مرتبطًا بسرعة ضخ الأموال وتحويل التعهدات إلى مشاريع فعلية.
تتضمن الحزمة الاستثمارية المعلنة على هامش الفعالية عنصرين رئيسيين، الأول، تعهد شركات فرنسية، تتراوح بين الكبرى والمتوسطة والصغيرة، بتقديم 14 مليار يورو. والثاني، إعلان مستثمرين ورواد أعمال أفارقة عن استثمارات إضافية بقيمة 9 مليارات يورو في أنحاء القارة.
وشكّلت “بروباركو”، ذراع تمويل القطاع الخاص التابعة للوكالة الفرنسية للتنمية، الركيزة المالية للمبادرة، بعدما أعلنت توقيع اتفاقيات تتجاوز قيمتها 500 مليون يورو عبر 11 صفقة، بما يمثل نحو نصف التزاماتها السنوية تجاه إفريقيا. كما أطلقت المؤسسة “تحالف التجارة الزراعية الإفريقية”، الذي يضم 16 مؤسسة مالية بميزانيات إجمالية تقارب 400 مليار يورو، بهدف معالجة فجوة تمويل التجارة الزراعية في القارة، والمقدّرة بنحو 50 مليار دولار.
يأتي ذلك في وقت خسرت فيه الشركات الفرنسية حصة سوقية مهمة لصالح الصين وتركيا والولايات المتحدة، إضافة إلى منافسين أفارقة صاعدين.
إعادة تموضع فرنسي
قدّمت باريس القمة باعتبارها جزءًا من عملية إعادة تموضع لعلاقتها مع إفريقيا، وفق رؤية جديدة ترتكز على “الاستثمار المشترك” و”الشراكة المتكافئة”، بدلًا من النهج الهرمي التقليدي.
ويعكس اختيار نيروبي مسعى فرنسيًا لتوسيع النفوذ خارج الدائرة الفرنكوفونية، في ظل تقليص الوجود العسكري الفرنسي بمنطقة الساحل، وتصاعد الرفض الشعبي لنفوذ باريس في غرب إفريقيا.
غير أن هذا التحول الاستراتيجي لا يزال محل تشكيك لدى بعض الخبراء. وقال الخبير الاقتصادي التوغولي كاكو نوبوكبو، إن “الاقتصاد الإمبريالي لا يزال قائمًا”، مشيرًا إلى استمرار استخدام الفرنك الإفريقي، واستمرار النفوذ الاقتصادي للمجموعات الفرنسية في الدول الناطقة بالفرنسية.
نهج تنموي مختلف
شدد مشاركون في القمة على ضرورة إعادة تعريف التعاون بين إفريقيا وشركائها العالميين، عبر تجاوز نماذج المساعدات التقليدية التي تُقيّد قدرة القارة على تمويل طموحاتها التنموية.
ودعا الرئيس الكيني ويليام روتو القادة الأفارقة إلى إعادة النظر في آليات تمويل التنمية، من خلال تعبئة الموارد المحلية، وإصلاح الهيكل المالي، والابتعاد عن الاعتماد على المعونات والاقتراض غير المستدام. وقال روتو، إن مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي “لا تكفي وحدها لدفع أجندة التنمية في إفريقيا”، داعيًا إلى إطار استراتيجي جديد يقوم على الاستثمار والابتكار والشراكات المتكافئة.
وأضاف: “تمتلك قارتنا موارد طبيعية هائلة، ومعادن حيوية، وأراضي خصبة، وإمكانات كبيرة في الطاقة المتجددة، وأسواقًا استهلاكية متنامية، ورواد أعمال ديناميكيين، وأصغر شريحة سكانية في العالم. ما تحتاجه إفريقيا ليس الصدقات، بل الاستثمارات؛ ليس الاستخراج، بل خلق القيمة؛ وليس التبعية، بل شراكات متبادلة المنفعة”.
وأكد الرئيس الكيني أن “عهد التبعية الأوروبية لإفريقيا قد ولّى”، مشددًا على أن الاحترام المتبادل بين الدول هو أساس الشراكات المستقبلية. كما انتقد ما وصفه بالاختلالات البنيوية في النظام المالي الدولي، معتبرًا أن الاقتصادات الإفريقية تواجه تكاليف اقتراض مرتفعة، ووصولًا محدودًا إلى التمويل الميسر، إضافة إلى “تصورات مخاطر مشوهة” تؤثر على تدفقات الاستثمار.
وطالب روتو بإصلاح حوكمة السلام والأمن العالميين، ولا سيما مجلس الأمن الدولي، قائلًا إنه “من غير المعقول أن تبقى قارة تضم 1.5 مليار نسمة و54 دولة ذات سيادة من دون تمثيل دائم في مجلس الأمن”.
بدوره، أوضح ماكرون بأن الشراكة التي تتصورها باريس بين إفريقيا وأوروبا “تخدم السلام والازدهار والاستقلال الاستراتيجي المشترك”، معتبرًا أنها قد تسهم في إعادة بناء نظام دولي متعدد الأطراف تعرض للاهتزاز خلال السنوات الأخيرة.
العلاقة مع دول الساحل
أكد ماكرون التزام فرنسا بدعم شعوب الساحل، رغم غياب الأنظمة العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر عن القمة.
وردًا على الانتقادات المرتبطة بغياب هذه الدول، رفض الرئيس الفرنسي أي حديث عن استبعاد غرب إفريقيا، مشيرًا إلى مشاركة عدد من قادة المنطقة، بينهم رؤساء السنغال وساحل العاج، إضافة إلى قادة من وسط القارة، خصوصًا الغابون وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
وأكد ماكرون أن بلاده “ليست على خلاف مع الشعوب”، وأن فرنسا ما تزال تحافظ على علاقاتها مع شعوب مالي وبوركينا فاسو والنيجر، رغم التوترات مع الأنظمة العسكرية الحاكمة.
وحول انسحاب القوات الفرنسية من منطقة الساحل عقب سلسلة الانقلابات العسكرية، لفت ماكرون بأن باريس غادرت هذه الدول “من دون أي استياء”، لكنه أقرّ في الوقت نفسه بأن الوضع الأمني الحالي “يُظهر إخفاق الخيار الذي اتخذته سلطات الساحل”.
ودافع الرئيس الفرنسي عن إعادة تنظيم الوجود العسكري الفرنسي في إفريقيا، والذي بات يركز على الشراكات العسكرية مع عدد من دول القارة، بينها الغابون وبنين وغانا.















