بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

دماء “اليونيفيل” على طريق السلام: مقتل جندي فرنسي في جنوب لبنان.. وماكرون يتهم “حزب الله”

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

شهد جنوب لبنان تصعيداً خطيراً تمثّل في مقتل جندي فرنسي من قوات “اليونيفيل”، وإصابة ثلاثة آخرين، اثنان منهم في حالة حرجة، إثر هجوم مسلح استهدف دوريتهم. وقع الحادث في لحظة ميدانية شديدة الحساسية، بالتزامن مع دخول هدنة لبنانية–إسرائيلية حيز التنفيذ، ما يضع هذا التطور في سياق بالغ التعقيد يُثير تساؤلات جدية حول قدرة الأطراف المعنية على ضبط الميدان.

سارع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى توجيه اتهام مباشر لحزب الله”، مؤكداً أن المؤشرات الأولية ترجّح مسؤوليته عن الهجوم، في خطوة تعكس تصعيداً سياسياً موازياً للتطور الأمني وتفتح الباب أمام تداعيات أوسع على مسار الهدنة الهشة. 

في المقابل، نفى الحزب أي علاقة له بالحادث، واعتبر الاتهامات متسرّعة، مطالباً بانتظار نتائج التحقيق الرسمي. غير أن هذا الموقف بدا أقرب إلى محاولة للتنصل من المسؤولية، ولم ينجح في تخفيف حدة التوتر، خصوصاً في ظل المعطيات التي تشير إلى أن مناطق نفوذ الحزب تبقى مسرحاً رئيساً لمثل هذه الهجمات.

هجوم مباشر ومدروس

بحسب المعطيات، كانت الدورية الفرنسية تنفذ مهمة لوجستية تشمل إزالة الذخائر غير المنفجرة وفتح طريق نحو موقع تابع لليونيفيل كان معزولاً بسبب الاشتباكات السابقة. وأثناء مرورها في محيط دير كيفا، تعرضت لكمين محكم من مسافة قريبة جداً باستخدام أسلحة خفيفة، ما أدى إلى إصابة الرقيب فلوريان مونتوريو إصابة قاتلة.

أشارت التحقيقات الأولية التي أجرتها “اليونيفيل” بوضوح إلى أن ما جرى لم يكن حادثاً عرضياً أو نتيجة تبادل إطلاق نار، بل هجوم متعمد استهدف الآلية العسكرية بشكل مباشر، ما يعزز فرضية التخطيط المسبق. ليحمّل ماكرون “حزب الله” مسؤولية الهجوم، معتبراً أن كل المؤشرات تدل على ضلوعه. هذا الموقف الحازم يعكس غضباً فرنسياً متصاعداً إزاء تكرار استهداف قواتها العاملة ضمن مهام حفظ السلام.

موقف لبناني وردود دولية

من جهتها، أدانت الأمم المتحدة الهجوم بشدة، واعتبرته خرقاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، مُشددة على أن استهداف “الخوذ الزرقاء” قد يرقى إلى مستوى جرائم حرب. كما أكدت أن القرار 1701 يلزم جميع الأطراف بضمان أمن وسلامة قوات حفظ السلام وحرية حركتها.

في المقابل، اكتفت السلطات اللبنانية، كما جرت العادة، بإدانة الهجوم. ووصفه مسؤولون بالاعتداء على سيادة الدولة والتزاماتها، مع تجنّب أي مواجهة مباشرة مع “حزب الله”. فيما أعلن الجيش اللبناني فتح تحقيق عاجل بالتنسيق مع “اليونيفيل”، وإطلاق عمليات بحث عن المنفذين.

لكن التحدي الأكبر يبقى في قدرة الدولة على فرض سلطتها في مناطق تخضع عملياً لنفوذ قوى مسلحة غير حكومية، ما يثير شكوكاً حول إمكانية الوصول إلى نتائج حاسمة أو محاسبة فعلية.

سجل دموي وهشاشة الواقع

مقتل الجندي الفرنسي يذكرنا بكلفة انتشار قوات حفظ السلام في جنوب لبنان. فمنذ تأسيس “اليونيفيل” عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان العام 1978، قُتل أكثر من 335 جندياً من مختلف الجنسيات، من بينهم عدد كبير من الفرنسيين، ما يعكس خطورة البيئة العملياتية.

وتُعد فرنسا من أبرز الدول المساهمة في هذه القوة، وتكبدت خسائر بشرية متكررة، ما يضع قيادتها أمام ضغط داخلي متزايد لإعادة تقييم مشاركتها العسكرية.

بعد حرب 2006، تعزز دور “اليونيفيل” بموجب القرار 1701، لتصبح قوة عازلة تضم نحو عشرة آلاف جندي. مهمتها الأساسية مراقبة وقف إطلاق النار ومنع الاحتكاك المباشر بين الأطراف. لكن حادثة استهداف الدورية الفرنسية تكشف مُجدداً هشاشة هذه القوة في مواجهة واقع ميداني مُعقد، حيث تتداخل الحسابات السياسية مع النفوذ العسكري غير الرسمي.

تداعيات محتملة على الهدنة

يطرح توقيت الهجوم، في اليوم الأول من الهدنة، تساؤلات عميقة حول مدى التزام الأطراف بها. فإذا ثبتت مسؤولية جهة منظمة، فإن ذلك يشير إلى وجود قوى تسعى لعرقلة أي مسار تهدئة. أما في حال غياب المحاسبة، فإن ذلك قد يشجع على تكرار الهجمات، ويقوض ثقة المجتمع الدولي بجدوى استمرار المهمة.

في الحالتين، يبدو أن مقتل الجندي الفرنسي لن يكون حادثاً عابراً، بل نقطة تحول قد تدفع نحو إعادة النظر في قواعد الاشتباك، وربما في طبيعة وجود القوات الدولية نفسها في جنوب لبنان.

يضع الحادث المجتمع الدولي أمام معادلة معقدة: الحفاظ على وجود “اليونيفيل” كعامل استقرار، مقابل ضرورة توفير حماية حقيقية لقواتها. فاستمرار الوضع الحالي، حيث تتعرض هذه القوات لهجمات من دون ردع فعلي، يهدد بتحويل مهمة حفظ السلام إلى عبء خطير بلا ضمانات.

بين التصعيد والتهدئة، يبقى جنوب لبنان ساحة مفتوحة على احتمالات متعددة، حيث قد يكون أي حادث مشابه الشرارة التي تعيد إشعال مواجهة أوسع لا ترغب بها الأطراف، لكنها قد تجد نفسها مندفعة إليها.