بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير سياسي

“الخط الأصفر” في جنوب لبنان.. هندسة العزل ومحاكاة نموذج غزة وسط حرب إسرائيل و”حزب الله”

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يفرضُ “الخط الأصفر” في جنوب لبنان معادلة ميدانية تتجاوز حدود الاشتباك التقليدي، وتعيد صياغة الجغرافيا الأمنية للصراع بين إسرائيل وحزب الله ضمن نموذج أقرب إلى “إدارة العزل” منه إلى الحسم العسكري. فالمواجهة لم تعد مجرد تبادل ضربات أو تثبيت توازن ردع، بل تحولت إلى عملية إعادة تشكيل للحيّز الحدودي عبر تفريغه سكانياً وتفكيكه عمرانياً، بما يخلق واقعاً أمنياً أحادياً يُفرض بقوة النار ويُدار بمنطق التحكم عن بُعد.

مع التطورات الأخيرة، لم يعد هذا الخط أداة فصل بقدر ما أصبح ساحة اشتباك مفتوحة، تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع رهانات سياسية وقانونية أكثر تعقيداً.

خلفية التصعيد

دخلت الجبهة اللبنانية مرحلة تصعيد حاد عقب سلسلة من الاغتيالات والضربات الجوية المكثفة التي أودت بحياة المرشد الإيراني علي خامنئي، حيث أطلق حزب الله صواريخ على شمال إسرائيل للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024. الرد الإسرائيلي جاء عبر غارات مكثفة وأوامر إخلاء واسعة، قبل أن يتطور إلى عملية برية أدت إلى سقوط آلاف الضحايا وتهجير ما يقارب مليون لبناني.

وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق نار مؤقت في نيسان/إبريل 2026، بقيت الجبهة مشتعلة تحت السطح، مع خروقات متبادلة وتوسيع تدريجي لنطاق العمليات، ما يعكس تآكل قواعد الاشتباك. في هذا السياق، برز “الخط الأصفر” كإطار ميداني جديد تسعى إسرائيل من خلاله إلى فرض واقع أمني يتجاوز ما كرّسه الخط الأزرق وقرار مجلس الأمن 1701.

الجغرافيا والوظيفة والتآكل

يمتد “الخط الأصفر” كحزام أمني بعمق يتراوح بين 5 و10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، على طول الجبهة الجنوبية التي تقارب 120 كيلومتراً. غير أن هذا العمق لا يتخذ شكلاً مُتصلاً على كامل الجبهة، بل يتفاوت بحسب القطاعات الميدانية، ما يجعل المساحة الفعلية للمنطقة الصفراء تُقدَّر بين 300 و600 كيلومتر مربع.

ويشمل هذا الشريط نحو 55 قرية وبلدة حدودية تحولت إلى نطاق عمليات مفتوح، من أبرزها: الناقورة وعلما الشعب وعيتا الشعب وميس الجبل وحولا والعديسة وكفركلا ومركبا والخيام. وقد شهدت هذه المناطق عمليات نسف وتجريف ممنهجة طالت البنية العمرانية وشبكات الخدمات، ضمن سياسة تهدف إلى تفريغها من السكان ومنع أي عودة سريعة أو إعادة تموضع عسكري.

الهدف يتجاوز البعد العسكري التقليدي، نحو إنشاء منطقة “منزوعة الفعالية القتالية”، عبر إزالة أي حضور ميداني أو بيئة حاضنة لحزب الله. لكن التطورات الأخيرة أظهرت هشاشة هذا الخط، إذ لم يعد يشكل حاجزاً صلباً بقدر ما أصبح ساحة مواجهة مباشرة.

لقد نفذ مقاتلو حزب الله عمليات اختراق داخل نطاق هذا الشريط، عبر كمائن وعبوات ناسفة وعمليات تسلل موضعية، مستهدفين القوات الإسرائيلية في عمق المنطقة العازلة نفسها. كما سُجل إطلاق صواريخ قصيرة المدى من داخله، ما يعكس تحوّله إلى مساحة اشتباك بدلاً من منطقة فصل.

بالتوازي، برز تطور لافت تمثل في إضافة بُعد بحري إلى هذا المفهوم، عبر ما يُشبه “خطاً بحرياً” يطال مناطق استراتيجية مثل حقل قانا. إلا أن هذا الإجراء لا يُعدّ تعديلاً على الحدود البحرية أو مساساً بالاتفاق البحري الموقّع، بل يُصنّف كإجراء أمني مؤقت ضمن سياق العمليات.

مآلات الصراع

تكشف المعطيات الميدانية أن “الخط الأصفر” لم ينجح في تثبيت معادلة ردع مستقرة، بل أسهم في إنتاج نمط صراع جديد قائم على الاشتباك داخل مناطق عازلة نظرياً. فبدلاً من تقليص الاحتكاك، أدى إلى تركيزه ضمن نطاق جغرافي محدد، ما يعزز حرب الاستنزاف.

بالنسبة لإسرائيل، يتحول هذا الخط تدريجياً إلى عبء ميداني يتطلب انتشاراً دائماً من دون ضمان تحقيق أمن فعلي. أما بالنسبة لحزب الله، فإن اختراق هذا الشريط- ولو بشكل موضعي- يشكل أداة استراتيجية لإثبات فشل نموذج “العزل” والحفاظ على المبادرة.

سياسياً، يفتح هذا الواقع الباب أمام إشكاليات تتعلق بالسيادة اللبنانية، خصوصاً مع استمرار تهجير مئات الآلاف ومنع عودتهم، وما قد يترتب على ذلك من تغييرات ديموغرافية طويلة الأمد. كما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار لمدى الالتزام بالقرار 1701، الذي لا يزال، إلى جانب الخط الأزرق، الإطار الوحيد المعترف به دولياً.

لا يبدو أن “هندسة العزل” قادرة على إنتاج استقرار مستدام، بقدر ما تؤسس لمرحلة جديدة من الصراع المفتوح. ومع تآكل الخط ميدانياً وتوسّعه وظيفياً نحو البحر، يتحول من أداة أمنية إلى بؤرة توتر دائمة، مرشحة لإعادة إشعال المواجهة في أي لحظة.