بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير تحليلي

“حزب الله” بين الإرهاب العابر للحدود وترسيخ دُويلة السلاح في لبنان على حساب الدولة والسيادة الوطنية

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يعود ملف “حزب الله” إلى واجهة المشهد بوصفه أحد أكثر التحديات تعقيداً في وجه الدولة اللبنانية، مع تصاعد الضغوط الدولية والإقليمية عليها. فبين اتهامات متزايدة بامتلاك شبكة خلايا عابرة للحدود، وقرارات تصنيف دولية تضع الحزب ضمن قوائم الإرهاب، وأزمات داخلية بلغت ذروتها مع قرار طرد السفير الإيراني، يجد لبنان نفسه أمام اختبار سيادي غير مسبوق.

صُنّف “حزب الله” في الولايات المتحدة الأمريكية منظمة إرهابية منذ العام 1997، وكشفت السلطات عن قضايا مرتبطة بالتمويل والتخطيط لهجمات، أبرزها إدانة عناصر عملوا على جمع معلومات حساسة وتخزين مواد يمكن استخدامها في عمليات مستقبلية.

أما في أوروبا، فقد تكرّست القناعة الأمنية تدريجياً بخطورة الشبكات المرتبطة بالحزب، مع حظر أنشطته في ألمانيا، وتصنيف جناحه العسكري إرهابياً من قبل الاتحاد الأوروبي، قبل أن تذهب بريطانيا أبعد بتصنيف التنظيم كاملاً.

اتخذت المواجهة في دول مجلس التعاون الخليجي، طابعاً أكثر مباشرة، إذ أعلنت قطر الكويت والإمارات والبحرين مؤخراً تفكيك خلايا مرتبطة بالحزب، عملت على جمع معلومات حساسة أو تنفيذ عمليات تمويل وغسل أموال، فيما كشفت السعودية ومصر والأردن عن أمر مماثل في أوقات سابقة. وتُظهر هذه القضايا نمطاً متكرراً يقوم على استخدام غطاء تجاري أو اجتماعي لاختراق البنى الاقتصادية والأمنية للدول المستهدفة.

الانخراط في حرب مدمّرة لإسناد إيران

انخرط “حزب الله” بشكل مباشر فيما وصفه بـ”حرب إسناد” لإيران، عقب الضربات التي استهدفت قيادتها، وما تلاها من إعلان طهران مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي. 

هذا الانخراط لم يقتصر على الدعم السياسي أو الإعلامي، بل تُرجم ميدانياً بإطلاق صواريخ وفتح جبهات توتر، في خطوة عكست انتقال الحزب من دور الوكيل الإقليمي إلى طرف منخرط في صراع مفتوح، مبرراً هذه العمليات بـ “الرد الانتقامي”. ما أدخل لبنان عملياً في قلب المواجهة، وطرح مجدداً إشكالية قرار الحرب والسلم الخارج عن مؤسسات الدولة.

أذرع إقليمية وتداخل أدوار

لا ينفصل نشاط الحزب عن الاستراتيجية الإيرانية الأوسع على المستوى الإقليمي. في اليمن، لعب دوراً مباشراً في دعم الحوثيين عبر التدريب والتخطيط ونقل الخبرات في مجالات الطائرات المسيّرة والصواريخ. وفي الأردن، كُشف عن خلايا مرتبطة به أكثر من مرة، فيما تشير تقارير إلى نشاطات في السودان والقرن الإفريقي ضمن شبكات تهريب وتمويل.

أما في آسيا، فقد سُجلت حالات توقيف لأفراد على صلة بـ”حزب الله” في دول مثل سنغافورة وتايلاند، على خلفية جمع تبرعات أو التخطيط لهجمات. وفي أمريكا اللاتينية، يُعدّ نشاط الحزب الأكثر رسوخاً، خصوصاً في منطقة المثلث الحدودي بين الأرجنتين والبرازيل وباراغواي، التي تحولت إلى مركز تمويل وغسل أموال منذ تسعينيات القرن الماضي، عقب هجمات بوينس آيرس التي وُجهت فيها الاتهامات للحزب بدعم إيراني.

تصنيفات دولية متباينة

تتباين المواقف الدولية في توصيف “حزب الله”، لكنها تتقاطع عند كونه تهديداً أمنياً عابراً للحدود. تتصدر الولايات المتحدة قائمة الدول التي صنّفته تنظيماً إرهابياً، مستندة إلى سجل طويل من العمليات، أبرزها تفجير مقر مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) في بيروت في 23 أكتوبر 1983، والذي أسفر عن مقتل 241 جندياً أمريكياً و58 عسكرياً فرنسياً، إضافة إلى خطف الرهائن الغربيين، في هجوم مزدوج هزّ المنطقة. 

واكتفى الاتحاد الأوروبي بتصنيف الجناح العسكري “إرهابياً”، فيما اعتمدت بريطانيا مقاربة أشمل شملت التنظيم بكامله. ويعكس هذا التباين في التصنيفات اختلافاً في المقاربات السياسية والأمنية، على الرغم من وجود قناعة مشتركة لدى عدد من الدول بارتباط الحزب بأنشطة تهدد الاستقرار الإقليمي والدولي.

إقليمياً، شكّل قرار مجلس التعاون الخليجي العام 2016 بتصنيف الحزب منظمة إرهابية محطة مفصلية، تلاه قرار مماثل من جامعة الدول العربية، قبل أن تتراجع الأخيرة عن هذا التصنيف في 2024 لأسباب سياسية تتعلق بإبقاء قنوات التواصل مفتوحة. هذا التباين يعكس تعقيد التعامل مع تنظيم يجمع بين العمل السياسي والعسكري في آن واحد.

الدولة اللبنانية: عجز بنيوي أمام واقع موازٍ

في الداخل اللبناني، لا يُصنّف الحزب رسمياً كتنظيم إرهابي كونه ممثلاً في البرلمان وضمن التركيبة السياسية، إلا أن هذه الصيغة الشكلية تُخفي واقعاً أكثر تعقيداً يتمثل في عمله ككيان موازٍ يمتلك قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة، ويتلقى توجيهاته الاستراتيجية من إيران ضمن علاقة تحالف وتنسيق وثيق.

وفي هذا السياق، حاولت الحكومة اللبنانية الحالية برئاسة نواف سلام تبنّي مقاربة أكثر تشدداً عبر المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة، وتفعيل القرار 1701 بوصفه الإطار الدولي لضبط الوضع في الجنوب، وربط ذلك باستعادة الحد الأدنى من الاستقرار وتخفيف الضغوط الخارجية. غير أن هذه المقاربة بقيت محدودة التأثير بفعل اختلال موازين القوة وتعقيدات التوازنات الداخلية وخشية الانزلاق إلى صدام داخلي واسع، ما يجعل تنفيذ هذه التوجهات على أرض الواقع أمراً بالغ الصعوبة.

انفجار مرفأ بيروت: ملف معلّق تحت الضغط

يشكّل انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020 نموذجاً صارخاً لتعطيل العدالة. فبعد أكثر من خمس سنوات، لا تزال الحقيقة الكاملة غائبة، وسط اتهامات بتدخلات سياسية وأمنية أعاقت التحقيق.

تشير معطيات متعددة إلى ارتباط شحنة نترات الأمونيوم بشبكات قريبة من الحزب، الذي كان يتمتع بنفوذ واسع داخل المرفأ. كما تعرّض مسار التحقيق لعرقلة ممنهجة، سواء عبر رفض رفع الحصانات أو تعطيل عمل القضاء، ما جعل القضية مثالاً على حدود قدرة الدولة اللبنانية في مواجهة نفوذ الحزب.

أزمة السفير الإيراني: اختبار سيادي غير مسبوق

دخلت العلاقة بين الدولة اللبنانية والحزب مرحلة أكثر حساسية، بعد قرار وزارة الخارجية سحب اعتماد السفير الإيراني محمد رضا شيباني على خلفية اتهامات بإدارة عمليات الحزب من داخل لبنان. القرار شكّل سابقة في العلاقة مع طهران، وأثار رد فعل حاد من الحزب الذي اعتبره تجاوزاً خطيراً. ومع ذلك، رد مصدر دبلوماسي إيراني بالقول، إن شيباني لن يغادر لبنان، وذلك نزولاً عند رغبة رئيس مجلس النواب نبيه بري وحزب الله.

الأزمة كشفت بوضوح حجم التداخل بين القرارين اللبناني والإيراني، كما أظهرت الانقسام داخل السلطة نفسها، حيث لم يكن هناك إجماع حكومي على الخطوة. في المقابل، حظي القرار بدعم غربي، ما وضع لبنان أمام معادلة معقدة بين الضغوط الداخلية ومتطلبات العلاقات الدولية.

سيادة مُعلّقة على توازنات هشة

يعكس المشهد اللبناني اليوم تناقضاً بنيوياً: دولة تسعى إلى تثبيت سيادتها، مقابل تنظيم يمتلك أدوات قوة عسكرية وأمنية عابرة للحدود. هذا التناقض لا يبدو قابلاً للحسم في المدى القريب، في ظل غياب توازن داخلي واضح، واعتماد الحزب على دعم خارجي مستمر.

الاختبار الحقيقي لا يكمن في المواقف السياسية أو القرارات الرمزية، بل في قدرة الدولة على فرض سلطتها عملياً. وحتى يتحقق ذلك، سيبقى لبنان ساحة مفتوحة لصراع الإرادات، حيث تتقدم حسابات القوة على منطق الدولة.