بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

أوروبا أمام اختبار “المادة الثانية” في اتفاق الشراكة مع إسرائيل.. انقسام حاد بين التعليق والحوار

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

انتقل السجال الأوروبي حول الحرب في غزة من أروقة التصريحات السياسية إلى منصة “المراجعة القانونية” لاتفاقية الشراكة مع إسرائيل لعام 2000. وبينما يقود “ثلاثي مدريد-دبلن-ليوبليانا” توجهاً راديكالياً لتفعيل المادة الثانية المتعلقة بحقوق الإنسان، تبرز لوكسمبورغ كساحة مواجهة بين تيارين: تيار “الواقعية الأخلاقية” الذي يرى في تعليق الاتفاقية ضرورة لحماية هوية الاتحاد، وتيار “الاستقرار الجيوسياسي” بقيادة برلين الذي يخشى من فقدان أدوات التأثير المباشر. هذا الانقسام يضع المفوضية الأوروبية أمام معضلة دستورية، حيث يبدو البحث عن “مخارج تقنية” هو السبيل الوحيد لتفادي الشلل المؤسسي.

في مشهد يعكس ذروة الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي حيال تطورات الصراع في الشرق الأوسط، تحولت لوكسمبورغ إلى ساحة نقاش حاد بين وزراء خارجية التكتل، حيث طُرح ملف تعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل أو إعادة النظر في أسسها القانونية والسياسية، بوصفه أحد أكثر القضايا حساسية في السياسة الخارجية الأوروبية، لما يحمله من أبعاد قانونية وسياسية تتجاوز الإطار الثنائي، وتمسّ بصورة الاتحاد ودوره الدولي.

ملف التعليق بين التأييد والرفض

تقود إسبانيا، بالتنسيق مع سلوفينيا وإيرلندا، الدفع نحو إدراج ملف تعليق الاتفاقية على طاولة النقاش الرسمي. وقد شدد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس على أن الطلب يستند إلى معطيات مرتبطة بتدهور الوضع الإنساني في غزة، وتوسع الاستيطان في الضفة الغربية، إضافة إلى مخاوف حقوقية تتعلق بتشريعات عقوبة الإعدام.

يرى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن القضية تتجاوز الاعتبارات السياسية، لتصبح مسألة “انتهاك واضح للقانون الدولي”، ما يضع “المادة الثانية” من اتفاقية العام 2000، التي تربط الشراكة باحترام حقوق الإنسان، في صميم النقاش الأوروبي الحالي.

في المقابل، تقود ألمانيا موقفاً رافضاً لفكرة التعليق، حيث وصف وزير خارجيتها يوهان فاديفول هذا التوجه بأنه غير مناسب، مؤكداً أن بلاده تفضّل استمرار “الحوار النقدي البنّاء” على الرغم من تسجيل انتقادات تتعلق بعنف المستوطنين وسياسات عقوبة الإعدام.

وينسجم هذا الموقف مع رؤية الدنمارك، التي أشار وزير خارجيتها لارس لوك راسموسن إلى أن غياب “أغلبية مؤيدة” داخل الاتحاد يجعل اتخاذ إجراءات عقابية أمراً غير مرجح، في وقت قد يسهم فيه أي تهدئة إقليمية في تخفيف حدة التصعيد داخل التكتل الأوروبي نفسه.

معادلة القرار الأوروبي: بين الإجماع والأغلبية المؤهلة

في ظل هذا الاستقطاب، تجد مسؤولة السياسة الخارجية كايا كالاس نفسها أمام معادلة معقدة. فالتعليق الكامل للاتفاقية يتطلب إجماع الدول الأعضاء، وهو خيار يبدو شبه مستحيل في المرحلة الحالية، ما يفتح الباب أمام حلول وسط.

وتقترح المفوضية الأوروبية خيار “التعليق الجزئي”، عبر استهداف الشق التجاري من الاتفاقية فقط، وهو ما يمكن تمريره من خلال “الأغلبية المؤهلة” التي تمثل 65% من سكان الاتحاد، ما يقلّص من قدرة أي دولة منفردة على تعطيل القرار.

التداعيات: ما وراء الاقتصاد

تُعدّ أوروبا الشريك التجاري الأول لإسرائيل، ما يجعل أي تعليق، حتى لو جزئي، خطوة ذات أثر اقتصادي مباشر، يتمثل في فقدان الامتيازات التفضيلية التي يتمتع بها الطرف الإسرائيلي منذ سنوات طويلة.

لكن البعد الأكثر حساسية لا يتعلق بالأرقام، بل بالرمزية السياسية لهذه الخطوة، إذ ستكون المرة الأولى التي يُفعَّل فيها بند حقوق الإنسان بشكل عملي ضد شريك استراتيجي بهذا الحجم، ما يفتح الباب أمام سابقة سياسية داخل السياسة الخارجية الأوروبية.

يقف الاتحاد الأوروبي أمام “مرآة التناقض”؛ فإما الانصياع لمتطلبات الإجماع السياسي وحماية التحالفات التقليدية، أو الرضوخ لضغط القانون الدولي وتفعيل المادة الثانية. النتيجة لن تحدد فقط مستقبل العلاقة مع إسرائيل، بل ستحدد ما إذا كان الاتحاد الأوروبي “تكتلاً أخلاقياً” متسقاً أم مجرد “سوق تجاري” يدير تناقضاته ببراعة دبلوماسية.