في بيروت الجريحة، حيث تختلط اللغة برائحة الدمّ والدمار، وحيث لم يعد للمعاني ترف الاكتمال، خرجت صورتان من تحت الأنقاض لتقولا ما عجزت عنه كل البيانات. جثة شاعرة قضت تحت القصف، ونسخة من رواية “أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة” لستيفان زفايغ ممزّقة، وسط حطام عمارة سكنية سوّاها الجناة بالأرض، في تلّة الخياط، أعالي العاصمة اللبنانية. صورتان انتشرتا كأنهما بيان ثقافي أخير لمدينة تُقصف، لا لشيء، إلا لأنها ما زالت صامدة و… تكتب!
هذه الصور لم تكن مُجرّد توثيق للخراب الدامي. كانت، في جوهرها، اختصاراً لمشهد أكبر: مئة غارة في عشر دقائق، عملية تحمل اسما فاشستيا لا يحتاج إلى تأويل أو تعليق: “الظلام الأبدي”. وفي قلب هذا الظلام، كانت بيروت تنال حصّتها الأشد، كأن المدينة تُعاقَب على ذاكرة صمودها.
تحت الركام، لم تكن هناك جدران محطمة فحسب، بل حياة كاملة: يوميات، مكتبات، تفاصيل صغيرة لم تعد قابلة للسرد. وأعلى من كل الأسماء التي صعدت من تحت الردم، برز اسم الشاعرة خاتون سلمى، التي عُثر على جثمانها إلى جانب زوجها، محمد كرشت.
هناك، بين أنقاض تلة الخياط، لم يعد الموت حدثاً فردياً، بل تحوّل إلى علامة استفهام في سؤال مفتوح حول موقع الثقافة والذاكرة في زمن القصف. خاتون سلمى لم تكن من الشعراء الذين يملأون الفضاء حضوراً. كاتبة مقلّة نشرت مجموعتين شعريتين فحسب: “عانقتُ امرأةً تنتظر” و”آخر نزلاء القمر” (دار الجديد). حضورها كان نادراً، لكن كتابتها كانت حادّة ومكثّفة، كأنها تختصر ما لا يُقال. اشتغلت أيضاً على التجارب الصوفية، واقتربت من المتصوّفة لا كموضوع بحث فقط، بل كمسار روحي.
درست الأدب العربي في الجامعة الأميركية في بيروت، وبرزت موهبتها الشعرية مبكراً، في سبعينيات القرن الماضي، قبل أن تختار، بوعي أو بحدس، نوعاً من الانكفاء. لم تكن الكتابة لديها مهنة، بل حركة داخلية، إيقاعاً لا يخضع لقواعد وطقوس المواسم الثقافية. والمفارقة القاسية أن هذا الغياب، الذي اختارته في حياتها، يتمّ خرقه اليوم من بوابة الفقد العنيف. كأن الموت وحده كان قادرا على إعادتها إلى دائرة الضوء.
قصيدة تصدح من تحت الركام
بين جثمان خاتون سلمى المدمّى وكتاب زفايغ الممزّق، الصاعد من رفوف مكتبة باتت تحت الأنقاض، تتكشّف دلالة أبعد: الثقافة لا تُقتل صدفةً. تُسحب عمداً من حيّزها الطبيعي، لتُصلب وسط مشهد الموت كشاهد وعلامة. رسالة الجناة واضحة: ليس المطلوب فقط إسكات الصوت، بل محو أثره. وكأن تلك الفاشية ذاتها، التي انتحر ستيفان زفايغ هرباً منها، خلف تلال بلدة برازيلية نائية، في فبراير 1942، تعود لتطارده بعد ثمانين عاماً، محاولة ردم كتبه بين أنقاض تلّة الخياط البيروتية.
مع ذلك، يبقى الاسم، ويبقى الرمز صامدين. تبقى القصيدة، حتى لو صدحت من تحت الركام. ويبقى ذلك الأثر الهشّ لثقافة تقاوم، على نحو عنيد، قتامة “الظلام الأبدي”.
















