بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر
بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر

مقالات مشابهة

رحيل

الموت يُغيّب المخرج باراتيراجا: حرّر السينما الهندية من رتابة الأستوديوهات وفتح لها آفاقا أرحب في الحقول والأرياف

بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر
بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر

لم يكن باراتيراجا مجرد مخرج سينمائي هندي آخر يغادر المشهد تاركاً خلفه عشرات الأفلام والجوائز. برحيله عن عمر 84 عاماً، تطوي السينما الهندية صفحة أحد أبرز المخرجين الذين أعادوا تعريف العلاقة بين الشاشة والواقع، وبين الفن والحياة اليومية للناس البسطاء.

حين ظهر باراتيراجا في سبعينيات القرن الماضي، كانت السينما التاميلية لا تزال أسيرة الاستوديوهات المغلقة والديكورات المصطنعة والقصص التي تدور في فضاءات بعيدة عن نبض المجتمع الحقيقي. لكنه قرر أن يحمل كاميراه إلى مكان آخر: إلى الحقول والقرى والطرقات الترابية، حيث يعيش ملايين الهنود بعيداً عن صخب المدن الكبرى. هناك وجد مادته الخام، وهناك صنع ثورته الهادئة التي ستغير ملامح السينما التاميلية لعقود.

حين تحولت الحكايات البسيطة إلى سينما خالدة 

كانت الانطلاقة الكبرى مع فيلم 16 Vayathinile سنة 1977، العمل الذي جمع بين كمال حسن وسريديفي وراجينيكانث قبل أن يتحولوا إلى نجوم أسطورية في السينما الهندية. لم يكن الفيلم مجرد نجاح جماهيري، بل إعلاناً عن ولادة لغة سينمائية جديدة تحتفي بالريف بوصفه فضاءً إنسانياً وثقافياً غنياً، لا خلفية للأحداث فحسب. ومنذ تلك اللحظة، فتح باراتيراجا الباب أمام موجة كاملة من الأفلام التي أعادت الاعتبار للقرية الهندية وأبطالها وحكاياتها الصغيرة.

تميّز المخرج الراحل بقدرته على اكتشاف الجمال الكامن في التفاصيل اليومية. كان يرى الدراما في حياة الفلاحين والعشاق البسطاء والمنسيين على هامش المجتمع. لذلك جاءت أفلامه أقرب إلى مرايا اجتماعية تعكس تحولات الهند العميقة، أكثر منها مجرد أعمال ترفيهية هدفها استقطاب شباك التذاكر.

رائد الواقعية الذي كسر القوالب التقليدية 

لم تكن أهمية سينماه مرتبطة فقط بنجاحاته التجارية أو بشعبيته الواسعة، بل أيضاً بجرأته في كسر القوالب السائدة. فقد غيّر أساليب اختيار الممثلين، ووسّع حدود التصوير الخارجي، وفتح المجال أمام موضوعات كانت بعيدة عن اهتمامات السينما التجارية التقليدية. ولهذا اكتسب مكانة استثنائية بين كبار صناع السينما في الهند، بوصفه صاحب رؤية قبل أن يكون مجرد مخرج ناجح.

وعلى امتداد مسيرته الطويلة، رسخ باراتيراجا اسمه من خلال أعمال أصبحت علامات بارزة في تاريخ السينما التاميلية، مثل Alaigal Oivathillai وMudhal Mariyathai وKaruthamma، وهي أفلام حملت بصمته الخاصة في المزج بين الحس الإنساني العميق والالتزام بتصوير الواقع الاجتماعي كما هو، بكل تناقضاته وأحلامه وانكساراته.

برحيل باراتيراجا، تخسر السينما الهندية واحداً من أكثر مخرجيها تأثيراً وتجديداً، لكن إرثه سيبقى حاضراً في كل فيلم يجرؤ على مغادرة جدران الاستوديوهات المصطنعة نحو الحياة الحقيقية، وفي كل مخرج يؤمن بأن القرية، مثل المدينة تماماً، تستحق أن تكون بطلة على الشاشة.