عشر سنوات بعد انتشار وسم #مي_تو على شبكات التواصل الاجتماعي، مازالت الحركة المدافعة عن النساء ضحايا الاعتداءات الجنسية، تسقط مزيد من المشاهير، آخرهم أيقونة الأغنية الفرنسية في تسعينيات القرن الماضي، باتريك برويل (1959)، الذي وجه له القضاء الفرنسي رسمياً تهم “الاغتصاب ومحاولة الاغتصاب والاعتداء الجنسي والتحرش الجنسي”، بعد أن تتالت الشكاوى ضده من طرف نساء صادفن طريقه، وتعرضن لنزواته المنحرفة، ما بين 1991 و2019.
تبدو الأحداث مثل فيلم شاهدناه عدة مرات: تبدأ القضية بامرأة واحدة أو بضع نساء، تثير شهادتهن جدلاً محدوداً، قبل أن تنضم إليهن أخريات، وتتحرر الألسن، وتتهاطل الشهادات (في حالة برويل 30 شهادة لحد الآن)، في استجابة لنداء الحركة الشهير “اِفضح خنزيرك”. بعدها تصبح الأمور جدية، ويلجأ المتهم للهروب إلى الأمام، والتكذيب والتسخيف، إلى أن يفتح القضاء تحقيقا، وتصبح التهم رسمية، وتتعرض مسيرته الفنية للإعدام.
القضاء الفرنسي وضع المغني تحت الحراسة النظرية واستجوبه حول 13 شكاية من بين الثلاثين، قبل أن يوجّه إليه الاتهام ويضعه تحت الرقابة القضائية في حالة سراح مقابل كفالة قدرها 500 ألف يورو.
بدأت قصة سقوط برويل في مارس/ آذار الماضي حين نشرت الصحافة الفرنسية تحقيقاً يكشف تعرض ثمانية نساء لاعتداءات جنسية من طرف نجم الغناء والتمثيل، ما بين 1991 و2019، بعضهن يشتغلن في محلات تدليك وأخريات يتبوأن مناصب مهمة مثل دانييلا أولستنر، المديرة العامة لمؤسسة أونيفرانس، التي تتهمه بمحاولة الاغتصاب عام 1997.
بسرعة تحرك المغني ومحاموه لاحتواء الوضع، وأصدروا بيانات تكذب الاتهامات، مؤكدين أن الفنان سيواصل مسرحياته وعروضه الغنائية كما كان مخططاً لها.
لكن المشهد سيتغير جذرياً بعد أن دخلت على الخط مذيعة فرنسية مشهورة، هي فلافي فلامان، التي انضمت إلى المشتكيات واتهمت برويل بتخديرها والاعتداء عليها جنسياً عام 1991، عندما كان عمرها 16 سنة. الشهرة ضد الشهرة. لا يفل الحديد إلا الحديد. انضمام فلافي فلامان للمشتكيات منح زخماً إعلامياً للقضية، وأعطى للشهادات السابقة صدى أكبر. هكذا اضطرت وسائل الإعلام الفرنسية إلى التخلي عن أحد فنانيها المفضلين ودارت الدوائر على الأيقونة.
برويل ليس مغنياً عادياً، بل من النوع الذي يثير الهستيريا وسط معجبيه، أو معجباته على سبيل الدقة، خصوصا المراهقات. دونجوان معاصر. كانت النساء يطاردنه في القاعات والمطاعم والشوارع، للحصول على أوتوغرافات أو صورة، وهاهنّ يلاحقنه أمام المحاكم! النجم كان يستعد لجولة فنية طويلة احتفاء بـ 35 سنة على صدور ألبومه الشهير Alors regarde (إذن اُنظر)، الذي حقق له انتشاراً واسعاً في تسعينيات القرن الماضي. كان يفترض أن تنطلق الجولة منتصف الشهر الحالي من “سيرك الشتاء” في باريس وتختتم نهاية العام في كيبك، لكن الضغوط التي مارسها عمدة باريس إيمانويل غريغوار ونظيره في مارسيليا بونوا بايان، وعدد من زملائهم، دفعت المغني إلى إلغاء الجولة الغنائية، قبل حتى أن يستدعيه القضاء.
السقوط المدوّي لباتريك برويل يؤكد أن النسخة الفرنسية من حركة “مي-تو” لم تفقد زخمها رغم مرور عشر سنوات على انطلاقها. لائحة المشاهير الذين أعدمتهم نزواتهم الجنسية طويلة، على رأسها السياسي اليساري دومينيك ستروس-كان ومقدم الأخبار الشهير بارتريك بوافر دارفور والممثل العملاق جيرار دوبارديو، والمخرج العالمي رولان بولنسكي، بالإضافة إلى نيكولا هيلو الوزير السابق والناشط البيئي المشهور، والمنشط التلفزيوني سيباستيان كووي، والمحلل النفساني المقرب من أقصى اليسار جيرار ميلر… كلهم ذهبوا ضحية نزوات جنسية لم يقدروا عواقبها، وتسببت في إنهاء مسيرتهم المهنية.















