بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر
بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر

مقالات مشابهة

سينما

مهرجان “كان” السينمائي يُطلق برنامج دورته الـ 79: ألمودوفار وفرهدي وكوري-إيدا في المقدمة.. وسبيلبرغ قد يلتحق بالركب

بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر
بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر

حين يعلن مهرجان “كان” السينمائي عن قائمته، لا يكتفي بعرض أفلام، بل يرسم خريطة جديدة للسينما العالمية، ويعيد ترتيب موازين القوة بين مدارسها واتجاهاتها. هكذا بدا الإعلان عن برنامج الدورة التاسعة والسبعين (12 ـ 23 مايو المقبل)، في مؤتمر صحفي احتضنته باريس، وكأنّه بيان ثقافي بقدر ما هو كشف برمجي.

في الظاهر، نحن أمام 21 فيلمًا في المسابقة الرسمية، مع وعدٍ بإضافة عنوان آخر لمخرج بارز لم يُعلن عن اسمه لكن الأرجح أنه ستيفن سبيلبرغ. لكن في العمق، نحن أمام لحظة توازن دقيقة بين أجيال وتجارب، بين أسماء صنعت تاريخ “الكروازيت” وأخرى تحاول أن تكتب سطرها الأول في سجلّ المهرجان العريق.

إنتاج عالمي حيوي

المدير الفني تييري فريمو، الذي بدا كعادته واثقًا من اختياراته، كشف عن رقم لافت: 2541 فيلمًا تقدّم للمشاركة، في مؤشر على حيوية الإنتاج العالمي رغم كل الأزمات. لكن الرقم، على أهميته، لا يقول كل شيء. ما يقوله حقًا هو هذه التوليفة التي جمعت بين المخضرمين والوجوه الجديدة، في محاولة لصياغة دورة لا تشبه سابقاتها.

عودة الكبار لم تكن مفاجئة، لكنها كانت مُحمّلة بالدلالات. الإسباني بيدرو ألمودوفار يعود بفيلم “عيد الميلاد المرير”، وكأنه يواصل تفكيك علاقات العائلة والذاكرة من زاوية أكثر قتامة. الإيراني أصغر فرهادي، في “حكايات متوازية”، يذهب أبعد في اشتغاله على التوترات الأخلاقية، ولكن هذه المرة داخل الفضاء الفرنسي، مستعينًا بكوكبة لامعة من النجوم: كاترين دونوف، إيزابيل هوبير، فانسان كاسيل، بيار نيني وآدام بيسا. أما الياباني هيروكازو كوري-إيدا، فيغامر بخيال علمي إنساني في “خروف في الصندوق”، حيث العائلة لم تعد بيولوجية فقط، بل تكنولوجية أيضًا.

زخم أوروبي آسيوي

غير أن اللافت في هذه الدورة ليس فقط حضور الكبار، بل هذا الزخم الأوروبي ـ الآسيوي الذي يكاد يطغى على المشهد. ثلاثة مخرجين يابانيين، ثلاثة إسبان، وخمسة فرنسيين، مقابل حضور أمريكي خجول يكاد يتقصر في إيرا ساكس. كأن “كان” يعيد تأكيد موقعه كمنصة سينما المؤلف، لا كسوق للهيمنة الهوليوودية.

في قلب هذه الخريطة، تبرز أسماء صنعت مجدها سابقًا وتعود لاختبار نفسها من جديد. لازلو نيميس، صاحب رائعة “ابن شاؤول”، يعود بفيلم “مولان” عن سيرة جان مولان، أكبر رموز المقاومة الفرنسية ضد النازية، في محاولة لربط الذاكرة التاريخية بالدراما الشخصية. البولندي بافليكوفسكي، في “الوطن”، يستعيد تاريخ بولندا المدمّرة من خلال علاقة أب بابنته، بينما يواصل الروماني كريستيان مونجيو تفكيك البنية الأخلاقية للأسرة في “فيورد”، ولكن هذه المرة خارج جغرافيته المعتادة، حيث تدور أحداث الفيلم في الدنمارك. 

هشاشة يقين المهرجان

ومن بين أكثر المشاريع إثارة، فيلم “الجبان” للوكاس دونت، الذي كاد ألا يلحق بالمسابقة. فيلم حرب، نعم، لكنه في جوهره تأمل في معنى البطولة نفسها، صُوّر جُزئيًا في مواقع حقيقية للحرب العالمية الأولى، قرب إيبر في بلجيكا. المفارقة أن إدارة المهرجان لم تشاهده إلا قبل الإعلان بيوم واحد، في مؤشر يكشف هشاشة اليقين أحيانًا حتى داخل أعرق التظاهرات.

في المقابل، لا يغيب البعد السياسي الرمزي، كما في “مينوتور” لأندريه زفياغينتسيف، حيث تتحول الأزمة الفردية إلى استعارة لوضع روسيا المعاصر. ولا يغيب أيضًا الاشتغال على الذاكرة الجماعية، كما في أفلام عدّة تتقاطع مع الحرب العالمية الثانية أو مع تاريخ إسبانيا المضطرب.

حضور نسائي محدود

أما الحضور النسائي، وإن ظل محدودًا بخمس مخرجات، فإنه يحمل إشارات مهمة. من فاليسكا غريسباخ في “المغامرة الحالمة” إلى ماري كرويتزر في “الوحش اللطيف”، مرورًا بالأسماء الفرنسية الصاعدة (جين هيري، ليا ميزيوس…)، يبدو أن “كان” يحاول، ولو بخطوات محسوبة، إعادة التوازن بين الجنسين داخل المسابقة.

ولعل أحد أكثر الاتجاهات إثارة هو هذا التداخل بين الأنواع: خيال علمي عند كوري-إيدا، استعراض موسيقي سوداوي عند إيرا ساكس، دراما تاريخية عند نيميس، وسرديات متعددة الأزمنة عند الثنائي الإسباني أمبروسي وكالفو. كأن السينما، في لحظتها الراهنة، ترفض القوالب الجاهزة وتبحث عن أشكال هجينة تعكس تعقيد العالم.

في النهاية، لا يمكن قراءة هذه القائمة فقط باعتبارها سباقًا نحو “السعفة الذهبية”. إنها، قبل ذلك، مرآة لعالم مضطرب، تحاول السينما أن تفهمه أو على الأقل أن تعيد صياغته. وبين فيلم جاهز في اللحظة الأخيرة، وآخر لم يكتمل بعد، ومساحة مفتوحة لعنوان مفاجئ، يظل مهرجان كان وفيًا لجوهره: مكانًا للقلق الإبداعي أكثر منه منصة لليقين. ولعل هذا هو سرّ نجاحه الحقيقي.