الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

مقالات مشابهة

حرية الإبداع الأدبي

“حوريات” لكمال داود في قبضة حكم قضائي في الجزائر: الأدب في مواجهة جراح الذاكرة

الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

أثار الحكم القضائي الصادر، الثلاثاء، في الجزائر ضد الكاتب الفرنكو-جزائري كمال داود، والقاضي بسجنه ثلاث سنوات نافذة، موجة واسعة من الجدل في الأوساط الثقافية والحقوقية، في قضية معقّدة تتقاطع فيها حرية الإبداع الأدبي مع أخلاقيات المهنة الطبية وحقوق الضحايا في حماية حياتهم الخاصة، إلى جانب الإطار القانوني المنظم للذاكرة الوطنية.

تعود وقائع القضية إلى شكوى رفعتها المواطنة سعدة عربان، وهي ناجية من أحداث العشرية السوداء في الجزائر، اتهمت فيها داود باستغلال قصتها الشخصية ضمن روايته “حوريات” دون موافقتها.

اتهامات بخرق السِّر المهني

بحسب الشكوى، فإن المعطيات التي وردت في الرواية تتقاطع بشكل لافت مع تفاصيل ملفها النفسي، الذي كان محفوظًا لدى زوجته، وهي أخصائية نفسية، ما فتح الباب أمام اتهامات بخرق السر المهني واستغلال معاناة إنسانية موثقة داخل فضاء علاجي خاص. وأكدت سعدة عربان أن ما ورد في الرواية يكاد يطابق تجربتها، خاصة كونها من ضحايا الإرهاب الذين نجوا من مجزرة خلال سنوات التسعينيات، وهو ما منح القضية بُعدًا إنسانيًا بالغ الحساسية.

القضية سرعان ما تجاوزت النقاش الأدبي، لتتحول إلى ملف قانوني يرتكز على مبدأ أساسي: سرية العلاقة بين المعالج النفسي والمريض. في هذا السياق، شددت هيئة الدفاع، وعلى رأسها المحامية المشهورة فاطمة بن براهم، على أن أي تسريب أو توظيف لمعطيات شخصية مأخوذة من جلسات علاجية يُعدّ خرقًا جسيمًا للأخلاقيات المهنية والقانون، ويمسّ بثقة المرضى في المؤسسات العلاجية.

جدل قانوني وأخلاقي

تتناول رواية “حوريات” واحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخ الجزائر، حيث تستعيد أجواء العنف والإرهاب خلال التسعينيات من خلال شخصية امرأة ناجية من مجزرة. ولعل ما وضع الرواية أكثر تحت الأضواء هو تتويجها عام 2024 بجائزة “غونكور”، ما جعل النقاش حولها يتجاوز الحدود الأدبية إلى أبعاد أخلاقية وقانونية.

في تعليقه على الحكم، صرّح كمال داود على صفحته في “فيسبوك” أن القضية تندرج، في نظره، ضمن تطبيق بنود ميثاق السلم والمصالحة الوطنية الصادر سنة 2006، في إشارة إلى الإطار القانوني الذي ينظم التعامل مع مرحلة التسعينيات في الجزائر. ويأتي هذا الموقف في سياق دفاعه عن عمله، حيث يعتبر أن روايته تدخل ضمن حرية التعبير والمعالجة الأدبية لذاكرة جماعية معقدة، وليس نقلًا حرفيًا لقصة فردية.

يشكّل ميثاق السلم والمصالحة الوطنية مرجعية أساسية في تنظيم استحضار أحداث التسعينيات، خاصة عبر الأمر 06-01 لسنة 2006. وتنص المادة 46 من هذا الإطار القانوني على معاقبة كل من يوظّف “جراح المأساة الوطنية” بطريقة قد تُفسَّر على أنها مساس بمؤسسات الدولة أو إضرار بصورتها. ورغم أن النص لا يمنع صراحة الكتابة الأدبية أو المعالجة الإعلامية لتلك المرحلة، إلا أنه يضع حدودًا حساسة تجعل تناول العشرية السوداء خاضعًا لتقديرات قانونية دقيقة.

حدود استلهام الواقع في الأدب

رغم أن الجزائر شهدت في فترات سابقة متابعات قضائية طالت كتابًا وصحفيين، خاصة في قضايا مرتبطة بحرية التعبير، فإن هذه القضية تبدو مختلفة في طبيعتها، إذ تجمع بين حقوق الضحايا الفردية وأخلاقيات المهنة الطبية والإطار القانوني المرتبط بالذاكرة الوطنية، ما يجعلها من أكثر القضايا تعقيدًا في علاقة الأدب بالقضاء الجزائري.

تُعيد قضية داود وسعدة عربان إلى الواجهة نقاشًا جوهريًا داخل الحقل الثقافي، تفرّعت عنه جملة من التساؤلات المشروعة حول حدود استخدام القصص الحقيقية في الأعمال الأدبية، وما إذا كان يمكن للكاتب أن يستلهم من الواقع دون قيود، وكيف يمكن حماية الضحايا من إعادة إنتاج مآسيهم دون إذن منهم.

في المحصلة، لا تُختزل قضية كمال داود في حكم قضائي فقط، بل تعكس توترًا عميقًا بين حرية التعبير من جهة، وضرورات الحماية القانونية والأخلاقية من جهة أخرى. فبين ذاكرة لم تندمل، ونصوص قانونية تنظّم استحضارها، وأدب يسعى إلى تفكيكها، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن كتابة الألم دون امتلاكه؟