الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

مقالات مشابهة

سينما

منع عرض فيلم “العربي” لمالك بن إسماعيل في مهرجان “عِنابة” يُجدّد الجدل حول حدود التنظيم والرقابة في السينما الجزائرية

الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

يُعيد قرار منع عرض فيلم “العربي” ضمن مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي الذي تجري فعالياته في الفترة الممتدة (من 24 إلى 30 إبريل/نيسان 2026)، بسبب أمور تنظيمية مرتبطة بالتأشيرات الثقافية وآليات البرمجة، إلى السطح سؤالًا مهمًا حول العلاقة بين السينما والقانون والذاكرة، وموقع السينما في الجزائر: هل هي مُجرد مجال مُنظم؟ أم فضاء يُفترض أن يستوعب أيضًا اختلاف القراءات، حتى حين تكون حساسة أو غير مريحة؟

ينتمي فيلم “العربي” إلى ذلك النوع من الأعمال التي تشتبك مع الذاكرة والتمثيل الرمزي. فهو يُعيد قراءة إرث رواية الغريب لألبير كامو، من خلال منظور نقدي يستلهم أيضًا رواية “ميرسو.. تحقيق مُضاد” لكمال داود. في هذا السياق، لا يكتفي الفيلم بإعادة السرد، بل يطرح سؤالًا حول من يملك حق التسمية؟ ومن يملك سلطة إعادة بناء الذاكرة؟ وهي أسئلة بطبيعتها حساسة، لأنها لا تتعلق بالتاريخ فقط، بل بكيفية تمثيله.

بين التحصين الهوياتي وأسئلة التعدد

في قراءة أوسع، يمكن وضع ما حدث لفيلم “العربي” ضمن ما يُوصف أحيانًا بــ “التحصين الهوياتي الداخلي”، أي تلك الآليات الرمزية التي تلجأ إليها المجتمعات لضبط تمثلاتها عن نفسها، خاصة حين يتعلق الأمر بمواضيع حساسة كالذاكرة الاستعمارية أو إعادة قراءة السرديات المؤسسة. هذا التحصين لا يكون دائمًا نتيجة قرار صريح، بل قد يتشكل تدريجيًا عبر تداخل القانون مع الحساسية الثقافية والاجتماعية، فيتحول إلى نوع من الحذر الجماعي تجاه كل ما يعيد فتح الأسئلة الكبرى.

من هنا، يكتسب النقاش الذي أثاره قبل أيام فقط، كتاب “هويات مُتمردة” لعالمة الاجتماع، الباحثة فاطمة أوصديق، أهمية خاصة، إذ يطرح إشكالية العلاقة بين الهوية بوصفها معطى ثابتًا، والهوية كمسار مفتوح على كل التحولات. فالكتاب، كما في الجدل الذي رافقه، يكشف عن توتر قائم بين نزعتين: نزعة تميل إلى تثبيت الهوية ضمن حدود واضحة ومحمية، وأخرى ترى فيها فضاءً ديناميكيًا قابلًا لإعادة القراءة والتفكيك.

فيلم “العربي” يضعنا أمام مفترق واضح: إما هوية تقبل مراجعة سردياتها، وتسمح للفن بأن يكون شريكًا في التفكير، أو هوية تخشى المرآة، فتفضل كسرها بدل مواجهة ما تعكسه. لأن الحقيقة البسيطة التي يكشفها هذا الجدل هي أن الهوية التي تحتاج إلى منع فيلم كي تحمي نفسها ليست في حاجة إلى الحماية، بل إلى المراجعة. في النهاية، قد يُمنع عرض فيلم داخل قاعة، لكن ما لا يُمكن منعه هي الأسئلة التي ستُطرح بعد ذلك: من يكتب القصة؟ ومن يملك الحق في استعادتها؟

بين التنظيم والرقابة: أين يقع الفاصل؟

بالعودة إلى قانون الصناعة السينماتوغرافية الجديد (صدر في الجريدة الرسمية بتاريخ 29 إبريل/نيسان 2024)، تُشكّل بعض العبارات المرجعية فيه، مثل احترام الثوابت الوطنية ومراعاة القيم الدينية والثقافية، وعدم المساس بالوحدة الوطنية، ما يمكن تسميته بـ “مناطق تأويل مفتوحة”. فهي لا تحدد بدقة معيار  “المساس” أو “الإخلال”، بل تترك مساحة واسعة للتقدير الإداري عند التطبيق، وهنا تحديدًا المشكلة، أي في مدى وضوح حدود هذا التقدير عند الانتقال من النص إلى الممارسة، إذ غالبًا ما يكون الفرق بين التنظيم والرقابة مرتبطًا بطريقة التطبيق أكثر من النصوص نفسها. 

حين تكون المعايير غير مُفصلة بدقة، وقابلة للتأويل الواسع، وغير مصحوبة بآليات تعليل أو طعن واضحة، فإن القرار الإداري يتحول إلى مساحة تقديرية واسعة. هذا لا يعني تلقائيًا وجود رقابة مُمنهجة، لكنه يعني أن إمكانية المنع تبقى قائمة داخل بنية قانونية مرنة، وهو ما يجعل كل حالة خاضعة لظروفها وسياقها. مع ذلك يبقى التحدي الأساسي في إيجاد توازن بين حماية الإطار العام وعدم تحويله إلى مساحة تضييق على التعدد في التأويل. فالمسألة لا تُختزل في “حرية مطلقة” أو “منع شامل” بل في كيفية إدارة المنطقة الرمادية بينهما.

بين الاحتفاء عالميًا والمنع محليًا: أيُّ هوية نريد؟

اللافت، أن الفيلم قد حظي بتفاعل نقدي مهم خلال عرضه في محافل دولية، إذ شارك في مهرجان موسكو السينمائي، ومهرجان روتردام للسينما، ما أضفى على الجدل بُعدًا إضافيًا يتعلق بتعدد السياقات التي يُستقبل فيها العمل نفسه. لم يكن الفيلم مُجرد عرض سينمائي، بل لحظة اعتراف عالمي بعمل يشتبك بجرأة مع الذاكرة، الاستعمار، ومع سؤال العدالة الرمزية.

وحين حظي بتلك الإشادة، بدا أن الفيلم وجد مكانه الطبيعي داخل فضاءات النقاش الحر. لكن ما يبدو مهمًا في هذه الحالة،  ليس الوصول إلى حكم نهائي، بل ملاحظة الفجوة بين الاستقبال الدولي والاستقبال المحلي لنفس العمل، وما تعكسه هذه الفجوة من اختلاف في مقاربات القراءة والتأويل.

المنع .. حالة معزولة؟

إذا كان الفيلم قد أثار نقاشًا مفتوحًا في موسكو وروتردام حول حرية الإبداع ومسؤولية السينما تجاه التاريخ، فإن منعه في الجزائر يكشف عن مفارقة أعمق: الفضاءات الخارجية تتعامل مع الفيلم كنقاش، والداخل يتعامل معه كخطر. لكن أي خطر؟ هل هو في مساءلة إرث ألبير كامو؟ أم في إعادة طرح العلاقة المعقدة بين الجزائر وماضيها الاستعماري؟ أم في منح “العربي” صوتًا بعد عقود من الصمت؟ في كل الحالات، يبدو أن “التحصين الداخلي” يتحول هنا من حماية للهوية إلى آلية لعزلها عن الأسئلة.

قرار عدم عرض فيلم “العربي” لمخرجه مالك بن اسماعيل داخل السياق الوطني، دون الدخول في تفاصيل مبرراته، يفتح مجالًا لتعدد القراءات. فمن جهة، يمكن فهمه ضمن إطار إجراءات تنظيمية مرتبطة بالتأشيرات الثقافية وآليات البرمجة، ومن جهة أخرى، يطرح تساؤلات حول كيفية اشتغال هذه الآليات عند التعامل مع أعمال تلامس مناطق رمزية دقيقة.

من الواضح أن المنع ليس حالة معزولة. فالبيان الذي وقّعه سينمائيون جزائريون، يُشير إلى سلسلة من الأعمال التي واجهت المصير نفسه، ما يعني أن القضية لم تعد تتعلق بفيلم، بل بكيفية إدارة الذاكرة بصريًا. فكل فيلم يُمنع هو، في النهاية، جزء من ذاكرة تُؤجَّل، أو تُقصى، أو تُدفع إلى الهامش.

في البيان، الذي اطلعت عليه “غلوبال ووتش عربية”، وحمل شعار “لا للرقابة.. السينما حرية أو لا تكون”، يرى سينمائيون قرار المنع بأنه تمّ في غياب أي توضيح رسمي أو مبرر شفاف، وتحت ذريعة “عدم منح تأشيرة ثقافية”. ولفتوا إلى أن ما حدث “لا يُمثل حالة معزولة، بل يندرج ضمن نمط مُتكرر من التضييق على الأعمال السينمائية الجزائرية، حيث سبق أن مُنعت أفلام عدة من العرض في قاعات ومهرجانات مختلفة دون تفسير واضح”.

وبحسب المُوقّعين على البيان، فإن الحادثة تُمثل سياسة ممنهجة لتقييد الإبداع، وتكريساً لممارسات تعود إلى العقلية نفسها التي صاغت قانون السينما الحالي، والذي سبق أن أثار جدلاً واسعاً بسبب ما تضمّنه من مواد يعدّها مهنيون “مُجرّمة للفعل السينمائي”. ودعا الموقعون إلى رفع القيود التعسفية التي تعرقل عرض الأعمال السينمائية، ومراجعة نظام التأشيرة الثقافية حتى لا يُشكل عائقًا أمام تداول الأفلام، بالإضافة إلى فتح حوار بنّاء بين مهنيي السينما والجهات المعنية، مع إعادة النظر في الإطار القانوني المنظم للقطاع بما يواكب الإبداع.

الخضوع لمنطق رقابي غير مُعلن!

استهجن مخرج “العربي” كيف تعرض فيلمه للمنع داخل بلده، وقد أُنتج بأموال عمومية جزائرية. وفي تصريح على صفحاته على منصات التواصل الاجتماعي، لم يُخف مالك بن إسماعيل خضوع العمل لما أسماه “منطق رقابي غير مُعلن”. وقال: “بينما يُعرض فيلمي ’العربي’، المُنتَج بأموال عمومية من بلدي، بحرية ويُستقبل باحترام في عدد من المهرجانات والقاعات عبر العالم (هولندا، روسيا، الولايات المتحدة، أستراليا، بلجيكا، كرواتيا، إيطاليا..)، يُلغى عرضه الأول في الجزائر على الرغم من الإعلان عنه ضمن مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، دون أي تفسير واضح أو شفاف”.

بالنسبة له، من المفارقة المؤلمة أن يظل العمل السينمائي محكومًا بمنطق رقابي غير مُعلن، يُكبّل المبدعين ويُقصي الجمهور عن حقه الطبيعي في مشاهدة أعماله ونقدها. وأضاف: “لا يمكن، باسم إنعاش السينما الجزائرية، أن تتوسع الخطابات والمهرجانات واللجان، في الوقت الذي تُدفن فيه أفلام كاملة خارج دائرة العرض لأسباب لا يُصرَّح بها. فخلف كل قرار منع أو تعطيل، لا يُجمَّد فيلم فقط، بل تُهدر سنوات من العمل، ويُعاد إنتاج علاقة غير متوازنة بين السينما ومؤسساتها”.                       

حين يتحول التراكم إلى سؤال

في خضم هذا الجدل، برزت أيضًا مواقف من داخل الوسط السينمائي نفسه، من بينها ما نشرته عديلة بن ديمراد، التي أعادت تداول قائمة تضم عددًا من الأفلام الجزائرية، التي واجهت أشكالًا مختلفة من الرقابة أو العراقيل في العرض. وتشمل هذه القائمة أعمالًا لمخرجين وأسماء معروفة، مثل جميلة صحراوي، نذير مخناش، مالك بن إسماعيل وكريم موساوي، إلى جانب أفلام أخرى تنتمي إلى فترات وسياقات مختلفة.

من جانبهم، لم يتأخر مخرجون تعرضت أعمالهم للرقابة، في إعلان تضامنهم مع  المخرج  مالك بن اسماعيل، على غرار بشير درايس، مخرج فيلم “بن مهيدي” الذي لم يعرض في قاعات الجزائر قبل 2024، نظرًا لاعتراض الجهة المموّلة (وزارة المجاهدين) على ما أسمته “مغالطات لا تنطبق مع التاريخ والسيرة الحقيقية للبطل الشهيد العربي بن مهيدي”، بل وطالبت بحذف وإضافة مشاهد.

لعل أهمية هذه الشهادات لا تكمُن فقط في عدد الأعمال المذكورة، بل في ما توحي به من تراكم زمني، يجعل من الصعب قراءة كل حالة على حدة بمعزل عن الأخرى.

مع ذلك، فإن هذا التراكم لا يقود بالضرورة إلى استنتاج حاسم بوجود سياسة معلنة، بقدر ما يعزز إحساساً مُتزايداً داخل الوسط السينمائي بوجود صعوبات متكررة في مسارات العرض. وعليه، يمكن فهم هذه المبادرات، من نشر القوائم إلى إصدار البيانات، كمحاولة من الفاعلين في القطاع لتأطير تجربتهم الجماعية ضمن نقاش أوسع حول العلاقة بين الإبداع والضوابط المنظمة له.