الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

مقالات مشابهة

حوار الأديان والثقافات

الدكتورة فيروز بيبي: الأولوية تكمُن في إعادة بناء الثقة الاجتماعية.. وغياب وضوح الأهداف يُغذي توجس “المؤامرة الثقافية”

الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

في زمن تتقاطع فيه الأسئلة حول الهوية والدين والاختلاف، لا يأتي الحديث عن حوار الأديان والثقافات بوصفه ترفًا فكريًا، بل كمساحة دقيقة تقف عند حدود التوتر بين الفكرة ومجتمعها. في هذا السياق، تبرز تجربة الدكتورة فيروز بيبي، خبيرة حوار الأديان والثقافات، لتتجاوز الإطار الأكاديمي إلى اختبار مُباشر لكلفة الاشتغال على الاختلاف داخل الفضاء الاجتماعي نفسه.

في هذا الحوار الخاص لـ “غلوبل ووتش عربية”، تناقش بيبي تفكُّك معوقات الحوار الحضاري، وتكشف أسباب الريبة المحلية من الانفتاح العالمي، معرّجة على التجربة الجزائرية في استعادة رموزها الكونية مثل القديس أوغسطين والأمير عبد القادر. 

– تتوجّه الجزائر حالياً نحو إحياء “المسارات الأوغسطينية” وتنظيم اللقاءات الإفريقية المتوسطية للفكر؛ هل نعتبر هذا التوجّه محاولة رسمية لكسر “انغلاق الهويات” وتكريس البلاد كحلقة وصل حضارية فعلية، أم أنه مجرد استدعاء نخبوي لرموز قد لا تجد صداها شعبياً؟

– فيروز بيبي: أراها خطوة استراتيجية لتعزيز “الصحة الحضارية” وتقديم الجزائر كحلقة وصل طبيعية بين القارة الإفريقية وفضاء المتوسط. واستدعاء رموز مثل القديس أوغسطين والأمير عبد القادر، يمثل استرجاعًا لعمق تاريخي متعدد الأبعاد، وهو فعل يحمل في طياته رسالة مزدوجة للداخل والخارج معاً.

بالنسبة للداخل، هو تأكيد على أن الأرض الجزائرية لطالما شكلت فضاءً لإنتاج الفكر العالمي والبطولة الأخلاقية، ما يمنح المجتمع ثقة في جذوره وقدرته على استيعاب التنوع دون ذوبان. أما في سياق الحوار مع الآخر، فإن هذه الشخصيات تمثل جسورًا طبيعية، فأوغسطين يربطنا بجذور الفلسفة واللاهوت العالمي، والأمير يمثل نموذجًا إنسانيًا في الفروسية والتسامح حتى في أحلك ظروف الصراع. لذا، فإن هذا الاستدعاء ليس مُجرد دفاع عن الذات، بل هو تقديم لنموذج جزائري قادر على مخاطبة العالم بلغة إنسانية رفيعة تتجاوز ضيق الأفق الطائفي أو العرقي.

إن استحضار هؤلاء العظماء هو محاولة لترسيخ هوية “جامعة” لا تخشى الآخر، لأنها تدرك أنها ساهمت تاريخيًا في تشكيل وعيه، ما يجعل الحوار مع الآخر منطلقًا من موقع القوة المعرفية والتاريخية.

– لماذا يتحول الاشتغال على الحوار إلى مصدر ريبة أحياناً؟ وأين يبدأ الحد الفاصل بين الانفتاح بوصفه قيمة معرفية، والخوف منه كتهديد للهوية؟

– ​تنشأ الريبة تجاه فكرة الحوار حين يسود انطباع بأن العملية ليست تبادلًا متكافئًا، بل وسيلة لتمرير أجندات معينة أو إعادة تشكيل القناعات المحلية تحت غطاء “التسامح”. غالبًا ما ينظر إلى الحوار في بعض الأوساط كأداة ضغط ناعمة تمارسها القوى المهيمنة، ما يجعل الحد الفاصل بين الانفتاح المعرفي والتهديد الوجودي يضيق بشكل كبير.

يبدأ الانفتاح كقيمة، حين ينطلق الفرد من أرضية صلبة من الوعي بذاته، فيسعى لفهم الآخر لإثراء تجربته الإنسانية واكتساب أدوات معرفية جديدة، بينما يتحول إلى خوف حين تصبح الهوية في نظر أصحابها هشة وقابلة للكسر أمام أي فكر مختلف.

إن غياب الوضوح في أهداف الحوار ومنطلقاته هو ما يغذي التصورات المتخيلة عن “المؤامرة الثقافية”، ما يجعل المجتمع يفضل السلامة في الانغلاق على المخاطرة في التواصل. لذلك، فإن تعزيز الثقة بالذات وبالرصيد القيمي المحلي هو السبيل الوحيد لجعل الحوار ممارسة طبيعية ومثمرة بعيدة عن هواجس الاختراق أو التهديد.

– من خلال تجربتك في الفضاءات الدولية، كيف تفسرين الفجوة بين الانفتاح العالمي على حوار الأديان والثقافات، وبين التلقي المحلي الذي قد يكون متوجسًا أو رافضًا؟

– ​تعود الفجوة بين الخطاب العالمي للحوار والتلقي المحلي إلى اختلاف الأولويات والسياقات التي يتحرك فيها كل طرف، ففي الفضاءات الدولية يُطرح الحوار غالبًا بلغة دبلوماسية تركز على المشتركات العامة، بينما يصطدم في الواقع المحلي بأسئلة الهوية والتاريخ والخصوصية العقدية. يرى البعض في الداخل أن هذه المنصات الدولية قد تكون بعيدة عن ملامسة التحديات الحقيقية التي تواجه المجتمعات، أو أنها تتبنى معايير لا تراعي الحساسيات الثقافية والدينية لكل شعب. 

هذا التباين يخلق شعورًا بالانفصال، حيث يُنظر إلى المشاركين في الحوار العالمي كمن يُغرد خارج السرب المحلي أو يتبنى لغة “نخبوية” لا تُعبر عن نبض الشارع. كما أن غياب آليات ترجمة هذه النقاشات العالمية إلى واقع ملموس يحترم الخصوصية، يجعلها تبدو في نظر الكثيرين كترف فكري أو مجاملات دولية لا تعنيهم في حياتهم اليومية. ردم هذه الفجوة يتطلب صياغة خطاب حوار ينبع من الداخل ويتصالح مع الذاكرة المحلية، ليكون قادراً على التواصل مع الخارج دون أن يشعر بالاستلاب أو التبعية الثقافية.

– ​كيف يمكن تفسير المفارقة بين صورة الجزائر كفضاء داعم للتسامح والحوار دولياً، وبين حساسية بعض النقاشات الداخلية حول الاختلاف؟

– ​تُفسر هذه المفارقة بطبيعة الفصل بين الخطاب الرسمي الخارجي وبين الواقع السوسيولوجي في الداخل الذي يعيش مخاضات هوياتية لم تحسم تمامًا بعد. فالدولة في تمثيلها الخارجي تعبر عن طموحاتها في أن تكون جسرًا للسلام ومنصة للحوار العالمي انطلاقًا من رصيدها الدبلوماسي، بينما المجتمع في الداخل لا يزال يعالج جراحًا تاريخية ونقاشات حول الذات والأصالة والتحديث. 

الحساسية الداخلية تجاه الاختلاف تنبع أحيانًا من الخوف على الوحدة الوطنية أو من تجارب مريرة سابقة استُغل فيها التنوع لإثارة الانقسام، ما جعل البعض ينظر لأي نقاش حول الاختلاف بريبة أمنية أو ثقافية. وتجاوز هذه المفارقة يتطلب تحويل قيم التسامح التي تدعو إليها الجزائر دوليًا إلى ممارسة اجتماعية يومية عبر قنوات التعليم والإعلام والثقافة. لا بد من مُصالحة حقيقية بين الخطاب الموجه للعالم وبين النقاش الوطني الداخلي، ليكون الانفتاح على الآخر نابعًا من قدرة المجتمع على قبول الاختلاف في غرفته الداخلية أولًا وبشكل طبيعي.

– في خطابك، هناك حضور لفكرة “الاستهداف الخارجي” ومُحاولات التَّشويه. كيف يمكن التمييز بين الخطر الحقيقي والتصورات التي قد تضخم هذا الخطر وتؤثر على علاقة المجتمع بالآخر؟

– ​التمييز بين الخطر الحقيقي والتصورات المتخيلة يتطلب عقلًا نقديًا قادرًا على تحليل المعطيات بعيدًا عن العاطفة أو الانفعال اللحظي، فالعالم اليوم يشهد تدافعًا للمصالح واستخدامًا للقوة الناعمة ما يجعل “الاستهداف” واقعًا لا يُمكن تجاهله. 

مع ذلك، فإن المبالغة في تصوير كل نقد أو تفاعل ثقافي كمُؤامرة خارجية تؤدي إلى شلل فكري وتمنع المجتمع من رؤية عيوبه الذاتية أو الاستفادة من الفرص العالمية. الخطر الحقيقي هو الذي يمُس ثوابت السيادة واستقرار المجتمع وقيمه الكبرى، أما النقاشات الفكرية والتبادلات الثقافية، فهي مساحات للتفاعل لا ينبغي أن تسجن في قفص الاتهام الدائم.

إن تضخيم فكرة “العدو المتربص” قد يخلق مجتمعًا منغلقًا يشك في كل شيء، الأمر الذي يُضعف مناعته الحقيقية بدلًا من تقويتها، لأن القوة تكمن في القدرة على مواجهة الأفكار بالأفكار وليس بالهروب منها. التوازن يكمن في امتلاك “رادار” وطني دقيق يُميز بين محاولات الهيمنة وبين فرص التواصل الإنساني، مع التركيز على تقوية البيت الداخلي ليكون عصيًا على الاختراق من دون الحاجة للانعزال.

– هل تعتقدين أن مستقبل حوار الثقافات والأديان في مجتمعات مثل الجزائر مرهون بتطوير الخطاب نفسه، أم بإعادة بناء الثقة الاجتماعية في فكرة “الاختلاف”؟

​- مستقبل الحوار في الجزائر مرهون بالمسارين معًا، لكن الأولوية تظل لإعادة بناء الثقة الاجتماعية في فكرة الاختلاف كقيمة حضارية إيجابية وليست كتهديد للوحدة. الخطاب، مهما كان متطورًا وراقيًا، سيظل معلقًا في الفراغ إذا لم يجد أرضية اجتماعية تتقبل فكرة أن الآخر المختلف يمكن أن يكون شريكًا في بناء عالم أفضل دون أن يشترط ذلك التخلي عن الخصوصية.

الثقة تبدأ من الداخل، عبر تربية الأجيال على أن التنوع في الأديان والثقافات هو تجلٍ للحكمة الإلهية في خلق البشر، وليس ساحة للصراع الوجودي الحتمي. بالتوازي مع ذلك، يحتاج الخطاب الديني والثقافي إلى تجديد عميق يبتعد عن اللغة التبريرية أو الدفاعية، ليتبنى لغة إنسانية قادرة على اجتراح حلول لمشكلات العصر المشتركة. إن بناء مجتمع يثق في نفسه وفي قدرته على إدارة الاختلاف هو الضمانة الوحيدة لنجاح أي حوار، حيث يصبح الانفتاح فعلًا إراديًا يهدف إلى الإغناء المتبادل، وليس مُجرد رد فعل على ضغوط خارجية أو رغبة في تحسين الصورة أمام العالم.

– هل واجهت الدكتورة فيروز بيبي مواقف شخصية كشفت لها حدود الحوار أو إمكاناته في الواقع؟

– ​أظهرت لي التجربة العملية أن حدود الحوار تتحدد بمدى توفر المشترك القيمي والمعرفي بين الأطراف. نعم، واجهت مواقف اصطدم فيها منطق الحوار بجدار من المسلمات الجامدة التي ترفض النقد أو المراجعة، ما جعل التواصل مُجرد تكرار لمواقف ثابتة لا تفضي إلى أي نتيجة موضوعية. في مثل هذه السياقات، يتبين أن الحوار يفقد وظيفته كأداة للتغيير عندما يغيب الاستعداد المسبق للتنازل عن الرؤية الأحادية لصالح الحقيقة المشتركة.

في المقابل، تجلت إمكانات الحوار في قدرته على تفكيك سوء الفهم الناتج عن غياب التواصل، حيث ساهمت جلسات نقاش مباشرة في تغيير تصورات نمطية كانت تبدو مستحيلة التغيير، وذلك عبر التركيز على القضايا الجوهرية والبحث عن حلول تقنية لمشكلات فكرية معقدة.

الموقف الذي كشف لي الحقيقة هو أن الحوار ينجح فقط عندما يتحول من مُجرد “تبادل للكلام” إلى “عملية إنتاج” لأفكار جديدة تتجاوز الأطر الضيقة لكل طرف. وأثبت الواقع أن قوة الحوار لا تكمن في القدرة على الإقناع القسري، بل في إيجاد مساحة عمل مشتركة تحترم الخصوصية وتحقق الفائدة العامة في آن واحد. إن حدود الحوار هي في الحقيقة حدود الوعي بضرورة العيش المشترك، وإمكاناته تظل مرهونة بمدى نضج الأطراف وقدرتها على إدارة الاختلاف بمسؤولية.

– في الجزائر، يبدو أن هناك توتراً دائماً بين الانفتاح على الآخر والخوف من استهداف الذات، كيف يمكن فهم هذا القلق: هل هو مبرر تاريخياً أم أنه يُعاد إنتاجه ثقافياً؟

– ​يرتبط القلق الجزائري تجاه الآخر بذاكرة جمعية مثقلة بتجارب قاسية من الاستعمار الذي لم يكن مجرد وجود عسكري، بل كان محاولة منهجية لمحو الكيان وتفكيك الروابط الروحية والاجتماعية. هذا الإرث جعل من “الحذر” آلية دفاعية فطرية لحماية السيادة المعنوية، وهو ما يفسر الحساسية المفرطة تجاه أي مؤثرات وافدة قد تبدو في ظاهرها ناعمة وفي باطنها تحمل بذور التغيير القسري. 

مع ذلك، نجد أن هذا القلق يُعاد إنتاجه أحيانًا في سياقات ثقافية معاصرة عبر خطاب يبالغ في الانغلاق خوفًا من “الذوبان”، ما يخلق نوعًا من العزلة الاختيارية التي قد لا تعكس قوة الذات بل ارتباكها. التحدي يكمن في تحويل الذاكرة التاريخية من قيد يمنع الحركة إلى قاعدة صلبة تسمح بالانفتاح الواثق، حيث لا يعود الآخر تهديدًا بل طرفًا في معادلة إنسانية أوسع. إن الفهم العميق لهذا القلق يتطلب الفصل بين اليقظة الوطنية المشروعة وبين الانغلاق الذي يعيق التطور الثقافي، فالهوية الحية هي التي تتفاعل مع محيطها دون أن تفقد جوهرها الأصيل.

– إلى أي حد يمكن أن ُيفهَم التثاقف اليوم كعملية إغناء متبادل، ومتى يتحول في المخيال الاجتماعي إلى تهديد للهوية؟

– ​التثاقف هو في الأصل سنة كونية وتاريخية ساهمت في بناء الحضارات الإنسانية عبر العصور، حيث لا توجد ثقافة نقية تمامًا من تأثيرات الآخرين. يصبح التثاقف عملية إغناء متبادل حين يجري في أجواء من الحرية والندية، حيث يختار المجتمع بوعي ما يناسبه من قيم وأفكار ومعارف يضيفها إلى رصيده دون أن يمس ثوابته الكبرى. 

أما في المخيال الاجتماعي، فيتحول إلى تهديد حين يشعر الناس أن هذا التأثير قسري أو ناتج عن ضعف وضياع في البوصلة الثقافية، ما يوحي بأن المجتمع يفقد ملامحه لصالح “الآخر” المُهيمن. هذا التوجس يزداد في ظل العولمة التي تسعى أحيانًا لتعميم نموذج ثقافي واحد واختزال التنوع البشري في قوالب استهلاكية محددة، ما يستدعي رد فعل دفاعي عنيف أحياناً. لذا، فإن وعي المجتمع بقدرته على “الفرز” والاختيار هو ما يحول التثاقف من مصدر قلق إلى فرصة حقيقية للتطور والنمو، بعيدًا عن عقدة النقص أو الانغلاق الذي يؤدي إلى الركود والتحجر الثقافي.

– كيف ترين “الهوية” اليوم في الجزائر: هل هي معطى ثقافي ثابت، أم سيرورة سياسية واجتماعية يُعاد تشكيلها باستمرار؟

– ​الهوية الجزائرية كيان حي يتسم بالديناميكية، فهي، وإن كانت تمتلك ثوابت راسخة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، إلا أنها تخضع لعملية تشكُّل دائمة تتأثر بالتحولات السياسية والاجتماعية. لا يمكن النظر للهوية كقالب جامد انتهى تشكيله في زمن معين، بل هي سيرورة تفاعلية تستفيد من الذاكرة لتجيب على أسئلة الحاضر وتحديات المستقبل.

نلاحظ اليوم أن الأجيال الجديدة تعيد تعريف انتماءاتها بطريقة تزاوج بين الأصالة وبين مقتضيات العصر، ما يخلق نوعًا من التجدد في مفهوم “الشخصية الوطنية”. هذه السيرورة ليست خالية من التوتر، فهي ساحة للصراع بين رؤى محافظة تسعى للثبات المطلق وبين رؤى حداثية تطلب التغيير، وفي هذا التفاعل تبرز قوة المجتمع وقدرته على الابتكار الثقافي. إن الهوية الجزائرية تكتسب متانتها من قدرتها على استيعاب التنوع الداخلي والضغوط الخارجية، محولة إياها إلى وقود لاستمرار الكيان الوطني وتطوره، الأمر الذي يجعلها هوية مستقبلية بقدر ما هي وفية لماضيها.

– هل يمكن بناء نموذج مستدام لحوار الثقافات والأديان يجمع بين الانفتاح وحماية الهوية؟

– التوازن بين الانفتاح وحماية الهوية عملية مستمرة تتطلب إدارة حكيمة ووعياً مجتمعياً كبيراً، ولا يمكن الوصول فيه إلى حالة من الاستقرار النهائي الساكن. بناء نموذج مستدام للحوار يقتضي الانتقال من الحوار “المناسباتي” إلى الحوار كفلسفة عيش، حيث يُنظر للاختلاف كعامل إغناء لا كسبب للنزاع.

التوتر في هذا التوازن ليس بالضرورة أمراً سلبياً، بل قد يكون مؤشراً على حيوية الهوية وتفاعلها الجدي مع محيطها، شريطة أن يظل تحت سقف الاحترام المتبادل والاعتراف بخصوصية كل طرف. الاستدامة في هذا النموذج تتحقق حين يمتلك المجتمع أدوات نقدية تسمح له بفلترة المؤثرات الوافدة، بحيث يقبل ما يطوره ويرفض ما يهدد كيانه، من دون الانزلاق إلى الانعزال التام. ويكمن التحدي في تحويل “التوجس” من الآخر إلى “فضول معرفي” محكوم بالوعي، وهو ما يجعل العلاقة مع الآخر بنّاءة، تساهم في حماية الذات وتطويرها في آن واحد.

سيرة موجزة

الدكتورة فيروز بيبي باحثة أكاديمية متخصصة في مقارنة الأديان (حاصلة على الدكتوراه عام 2021)، يرتكز مشروعها المعرفي على ملامسة الواقع الميداني وتحليل التحولات الاجتماعية المعاصرة. 

تشغل بيبي عضوية اللجنة التوجيهية لمنتدى الاتحاد الإفريقي للحوار بين الأديان والثقافات منذ عام 2018، ولها مساهمات في مسارات الوساطة والدبلوماسية الوقائية كعضو في شبكة “فام وايز أفريكا” (FemWise-Africa)، بالإضافة إلى عضويتها في منظمة “أريجاتو إنترناشيونال” الدولية. 

تعنى أبحاثها بقضايا الهوية، ودور القيادات الدينية في تعزيز الاستقرار الاجتماعي، وتفعيل الحوار الثقافي في القارة الإفريقية وحوض المتوسط.