لماذا يُزعَج كتاب مثل “هويات متمردة” للباحثة فاطمة أوصديق، في بلد مثل الجزائر، خرج للتوّ، من مشهد إعلامي حبس الأنفاس داخليًا، وشدّ الأنظار دوليًا، مشهدُ بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر، وهو يقف جنبًا إلى جنب مع الشيخ محمد المأمون القاسمي الحسني، عميد جامع الجزائر، ورمز مرجعيتها الدينية؟
كان المشهد مُبهِرًا والدرس بليغًا في حرية ممارسة الشعائر والانفتاح الديني، فما الذي حدث فجأة، على مستوى حرية ممارسة التفكير، والانفتاح على الرأي الآخر؟ يبدو أننا أمام طبقتين من الخطاب في الجزائر تعملان في الوقت نفسه، خطاب قلق على الدوام من الاختلاف الداخلي، مقابل أريحية في الاعتراف بالاختلاف الخارجي.
الرسالة واضحة، أو هكذا تصل الرسالة: التسامح مع “الآخر الديني” لا يعني بالضرورة التسامح مع “المختلِف الداخلي”. أن نسمح لبابا الفاتيكان أن يدخل الجامع، رمز الهوية والمرجعية الدينية، لا يُهدّد البنية الداخلية، بل يُعزّز صورة الجزائر دوليًا، فيما الانفتاح على النقد الهوياتي الداخلي، هو تهديد أو رجٌّ للخطاب الرسمي أو للسرديات الجاهزة، طبيعة التهديد إذن مختلف! فبين صورة الجزائر الخارجية كفضاء للتعايش الديني، وواقع ضبط النقاش الداخلي حول الهوية، تتشكل مفارقة مفادها أن الانفتاح قد يكون مُدارًا، أي مؤطرًا ومتحكمًا فيه، وليس مطلقًا. وهنا يبرز السؤال، شامخًا كصفصافة أو قاطعًا كحدّ سيف: من يمتلك حق تعريف الهوية؟
تأتي حادثة مصادرة كتاب “هويات متمردة”، كمحاولة أخرى لضبط ما يقال داخليًا حول الهوية، في مجتمع شديد التنوع عرقيًا ولغويًا وثقافيًا. ظل العامل الديني في الجزائر رأسمالًا رمزيًا مشتركًا، وإطارًا جامعًا، وأرضية مشتركة للانتماء، توحّد بين العرب والأمازيغ، بين سكان المدن والأرياف، وبين العامة والنخب. في المحصلة نحن أمام مرجعية دينية عليا حالت دون التفكّك الهوياتي الكامل للجزائر في مختلف فتراتها التاريخية، باعتبارها سقفًا هوياتيًا تعايشت تحته، وما تزال، هويات متعددة، من دون تصادم أو انفجار. لم يمنع هذا، بالطبع، أن الإسلام نفسه تم توظيفه في الصراع السياسي على الحكم، خاصة خلال العشرية السوداء!
تتدخل السلطة لضبط ما يقال داخليًا حول الهوية بحجّة تفادي الانزلاق، وحرصًا على أن يواصل الدين دوره كسقف جامع وعامل تعبئة لمقاومة مخاطر الانشطار. وإذا بكتاب “هويات متعددة” يدخل على الخط، ليقول إن الإسلام، وإن ظل تاريخيًا عامل رصّ وتلاحم، إلا أن ما يحدث تحت هذا سقف هذا الرصّ، ليس دائمًا مُعبَّر عنه بحرية!
السؤال: هل يكفي المشترك الرمزي لضمان التعايش؟ وهل يمكن اعتبار المصادرة أداة ضبط لا وسيلة عنف أو إقصاء؟
يمكن تبرير منع كتاب حول قضية محددة، مثلما هو الحال مع كتاب “هويات متمردة”، في سياق الحرص على تجنب بعض التوترات الكامنة، وخاصة في مناطق ذات حساسية تاريخية، مثل وادي ميزاب والقبائل ومجتمع الطوارق في الصحراء. غير أن هذا “المنطق الوقائي” في ممارسة الحجز والمصادرة يقلّص سقف حرية التعبير. وهو قد يحقّق استقرارًا ظرفيًا مؤقتًا، لكنه يطرح سؤالًا لا يمكن أن يبقى مؤجّلًا بشأن إدارة الاختلاف، على المدى البعيد. فإذا كان المشترك الديني قد أخّر الانشطار الهوياتي في الجزائر، عبر توسيع دائرة الانتماء، فإن ممارسة الحظر والمصادرة من قبل السلطة قد تؤدي إلى تقليص مساحة النقاش، وحصرها في الهامش. بما من شأنه أن يسفر عن مفعول عكسي تمامًا، من حيث أنه يجعل مسائل الهوية أكثر احتقانًا وحساسية، لأنها غير قابلة للنقاش الحرّ والعلني.















