برحيل الكاتبة الجزائرية ليلى مروان، يُطوى فصلٌ من فصول السرد الروائي الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية، فصلٌ كُتب في المنفى، وعلى تخوم الذاكرة الجريحة. رحلت الكاتبة في باريس عن عمر ناهز 66 عامًا، بعيدًا عن الأضواء، كما لو أنها اختارت أن تغادر العالم بالهدوء ذاته الذي لازم سنواتها الأخيرة.
وجدت ليلى مروان (اسمها الحقيقي ليلى زينب مشنتل) نفسها منذ وقت مبكر في مواجهة واقع مضطرب، حيث دفعتها الظروف القاسية في الجزائر إلى مغادرتها قسرًا. في عام 1989، تعرضت لاعتداء وحشي كاد يودي بحياتها، من قبل مجموعة من الأصوليين. لتبدأ بعدها رحلة لجوئها إلى فرنسا، رحلة لم تكن مُجرد انتقال جغرافي، بل شكّلت تحوّلًا وجوديًا عميقًا انعكس في كتاباتها لاحقًا.
في باريس، أعادت ليلى مروان تشكيل ذاتها الأدبية، وراحت تكتب بلغة الآخر عن جراح الذات، لتصنع لنفسها مكانة خاصة داخل المشهد الأدبي المغاربي الفرنكوفوني. لم تكن كتاباتها مُجرد سرديات عابرة، بل محاولات لفهم العنف، والهوية، والمنفى، والجسد، والذاكرة. عبر رواياتها، منحت صوتًا لمن أُجبروا على الصمت، ولامست مناطق حساسة قلما اقترب منها غيرها بنفس الجرأة.
روايات تكسر الصّمت
من بين أعمالها الروائية التي شكّلت علامات بارزة في مسارها، تبرز رواية “إبنة القصبة” La fille de la Casbah التي عادت فيها إلى فضاء الجزائر، مُستحضرةً ذاكرة المدينة وأوجاعها من خلال سرد مشحون بالتوتر بين الماضي والحاضر. كما نجد في روايتها “خاطف” Ravisseur اشتغالًا عميقًا على العنف والتطرف، مُتّخذة من تجربة الاحتجاز والاعتداء القاسية التي عاشتها استعارة للتورية على حالة الاختناق الاجتماعي والسياسي في جزائر التسعينات، حيث تحوّل الجسد إلى ساحة صراع.
أما في رواية “جنس، أكاذيب وضواحي ساخنة” Sexe, mensonges et banlieues chaudes فتكشّف جانب آخر من كتابتها، إذ غاصت في حياة أحياء الضواحي الباريسية، وسعت لتفكيك الصور النمطية حول الهوية والهجرة، مُقدمة شخصيات مأزومة تعيش على هامش المجتمع الفرنسي. وفي “الحياة الجنسية لإسلاموي في باريس” La vie sexuelle d’un islamiste à Paris ذهبت ليلى مروان أبعد في مساءلة التناقضات النفسية والفكرية للمتطرفين، وعالجت بأسلوب ساخر وجريء مسألة التدين الظاهري والانحلال الأخلاقي الخفي، في نص أثار من الأسئلة أكثر مما قدّم من إجابات.
هذه الأعمال، وغيرها، تُظهر قدرة ليلى مروان على التنقل بين عوالم وأجواء مختلفة، وتحويل التجربة الشخصية إلى مادة أدبية ذات بعد إنساني أوسع. كتبت عن الجزائر من باريس، وعن باريس بعيون جزائرية، عبر نصوص مبهرة وهجينة تشبه شخصيتها المجروحة وقلقها الوجودي العميق.
رحيل في الظل وصدى باقٍ
رغم هذا المسار الأدبي الغني، مر رحيل ليلى مروان بصمت. لم تحظَ بتغطية إعلامية تليق باسمها، لا في الصحافة الفرنسية التي احتفت تجربتها الأدبية على مدى ربع قرن ولا في الصحافة الجزائرية التي كان يفترض أن تستعيدها في لحظة الوداع. كأن قدر هذه الكاتبة الموهوبة التي عاشت في الهامش، وكتبت عن الهامش، أن تموت أيضا على الهامش!
غير أن الصمت الإعلامي لا يُلغي الأثر. ليلى مروان تظل واحدة من الأصوات التي ساهمت في إثراء الأدب المغاربي المعاصر، وفتحت مساحات جديدة للتعبير عن الصوت النسوي وعن القلق الإنساني في سياقات تتسم بالعنف والتعقيد.
رحلت ليلى مروان، لكن نصوصها باقية، شاهدة على زمنٍ مرّ ومضطرب، وعلى روائية اختارت أن تكتب حتى آخر رمق، رغم قساوة التجربة المأساوية التي عاشتها، خلال احتجازها والاعتداء عليها من قبل الأصوليين، مُتخذة من الإبداع الأدبي وسيلة للصمود الفكري ومقاومة ثقافة النسيان.















