العلاقة بين الغرب والشرق مازالت مبحثًا مُغريًا لعدد كبير من الباحثين في الجامعات العربية ومنها الجامعات التونسية. في هذا السياق صدر منذ أسابيع كتاب على درجة عالية من الأهمية بعنوان “مناهج المستشرقين في الدراسات الاستشراقية”، هو في الأصل أطروحة قدّمتها الباحثة كوثر الرافعي لنيل شهادة الدكتوراة في كلية الآداب والعلوم الأنسانية بجامعة القيروان (وسط) وتوجّت بالجائزة الأولى لأحسن بحث أكاديمي.
الكتاب الصّادر عن دار الأمينة (القيروان – تونس) يناقش الدراسات القرآنية في مستوى مناهج المستشرقين وخاصة ثلاثة منهم اختارتهم الباحثة وفسّرت أسباب اختيارهم “جمع بينهم النّص الواحد” لكنّهم “تباينو في المداخل والمنطلقات” حسب تفسيرها.
الخلفيات التبشيرية وقيمة الجهد العلمي
هؤلاء “المصادر” هم كما تحدّد الباحثة، المستشرق الألماني تيودور نولدكه (1930-1836) Théodore Noldeke في كتابه “تاريخ القرآن” والمستشرق السويدي تورأندريه (1947-1885) Tor Andrae في مؤلفه Les origines de l’islam et le christianisme وترجمته العربية “جذور الإسلام والمسيحية”، وترجمته إلى الفرنسية جول روش Jules Roche وهي النسخة التي اعتمدتها الباحثة. والمصدر الثالث هو المستشرق الفرنسي رجيس بلاشير Régis Blachére في كتابه Introduction au Coran.
الباحثة كوثر الرافعي تعود إلى صلة “الاستشراق” بالتبشير والاستعمار والحملات العسكرية التي عاشها الشرق من الغرب بـ “غطاء ديني” ومحاولات فرض المسيحية على مسلمي إسبانيا لكن الحملات العسكرية فتحت “أفق البحث أمام الدارسين الراغبين في اكتشاف التراث الإسلامي”. وترى الباحثة أن إقدام المستشرقين على محاور مُهمة مثل الدراسات القرآنية جهد لا يمكن إلا تثمينه، وأن عملية ترجمة القرآن إلى عدة لغات هي عملية شاقة ودقيقة.
إشكالات التَّدوين وتوحيد المصحف
تعود الباحثة إلى تاريخية الخطاب القرآني بعد أو تناولت قضايا المنهج وما يطرحه المصطلح من إشكاليات، وترى أن المستشرقين واجهتهم بعض الإشكاليات في مسألة “النّص” في تحويله من الشفوي إلى المكتوب وتنزيله في البيئة والسياق التاريخي. وقد تساءل بلاشير مثلا “لمَ لم يشرع النبي مُحمد في حياته في تجهيز مصحف نهائي لصحابته لا يُمس؟”.
أما نولدكه فيرى “إن الشكوك التي قدمها بعض المسلمين ضد سلامة النص القرآني لم تكن نقدًا تاريخيًا علميًا، بل قامت على أحكام مُسبقة ذات طبيعة عقائدية أو خلقية”، وأمثلته على ذلك قول المُعتزلة بخلق النص و”الموقف الشيعي من أبي بكر وعثمان وأتهامهما بتعديل النص وحذف مواضع تخصّهم”. ويقدّم نولدكه “أبرز الإجراءات التي قامت بها السّلطة لإنجاز “المُصحف الإمام”، وذلك بإتلاف المصاحف خوفًا من الفتنة وحفاظًا على وحدة النص والصف وإرسال نسخ للمدن المجاورة لتوحيد المسلمين حول نص مُحدد.
في نفس السياق، تتوقّف الباحثة عند المصحف العثماني وتقسيم السور بين “مدني” و”مكي”، وعملية ترتيب المُصحف التي أعتبرها بلاشير مُرتبطة بمسائل فقهية وهي “النواة والمركز في عملية الترتيب للخطاب القرآني”.
ثراء القراءات وحدود المقاربة التاريخية
كما ترى أن المستشرقين الذين اعتنوا بالعلاقات القرآنية “كانوا على وعي بصعوبة العملية أو حتّى إستحالة أجرائها من خلال ما توفّر لهم من مصنفات القدامى”. وهنا تؤكد أن المستشرقين أستفادوا من النصوص التراثية ومن القراءات المتعددة وتقدّم مثل بلاشير الذي استفاد من المصنفات التراثية، أما نولدكه فقد أشاد فيما تقول الباحثة بكتب القراءات وما وفرته من مادة معرفية “توجه دارس القرآن من أكتشاف صور مهمة من تاريخ المُصحف في العهود الإسلامية الأولى”، وهو ما يُقرّه بلاشير أيضًا الذي أكّد على أهمية القراءات في فهم النص القرآني، وهو ما دفعه إلى البحث عن مقاييس أخرى مختلفة عمّا اعتمده علماء المسلمين في تقسيم القراءات بين قراءات قانونية وأخرى غير قانونية.
تستنتج الباحثة من دراستها لهذه المدونة الاستشراقية أن منهج المستشرقين في النقد التاريخي للنص القرآني والمدونة المرتبطة به لم يُفض إلى نتائج “تحقّق تجاوبًا مع السِّمات المقدسة لنص الوحي، لأن دراسة تاريخ النص منذ نشأته يفرض تتبعًا تاريخيًا لذلك الحدث”. وتضيف “إن قبول البحث في تاريخية الشيء تفرض على الباحث أن يتجرّد من مركبات عديدة حتى يكون قادرًا على تفسير وقائع التاريخ في صلتها بحدث ما من جهة، ويكون مستعدًا لتمثل ما يمكن أن يكون من العوامل المؤثرة أو الفاضلة في تلك اللحظة التاريخية من جهة ثانية”.
رصد القصور وتأكيد دوره التأسيسي
في السياق ذاته، ترى أن الباحثين العرب انتبهوا إلى مواضع القصور في مناهج “الاستشراق الكلاسيكي” بعد تطوّر الدراسات الإسلامية، ومع تثمينها للمجهود الذي بذله المستشرقين إلا أنها ترى أن جهودهم بدأت تتضاءل لولا بعض المبادرات القليلة، وأنه يمكن اعتبار هذا الكتاب (الأطروحة) حلقة وصل بين المصنفات العربية القديمة والحديثة، كما أن الأعمال الكلاسيكية للمستشرقين هي نواة أساسية للباحثين في مجال الدراسات القرآنية.
تعتبر الباحثة أن دراسة مناهج المستشرقين في الدراسات القرآنية وتقييمها هي انخراط في مساءلة النص الديني عبر منهج العقل وليس في هذا إساءة للنص الديني، بل “يجعله نواة تغيير فينزل النص منزلة الواقع ويُخالط عالم الناس حتى يتجلى في الممارسة اليومية”.















