كان (جنوب فرنسا) - جمال بدومة
كان (جنوب فرنسا) - جمال بدومة

مقالات مشابهة

رسالة "كان" (3)

“فينوس الكهربائية”: كوميديا رومانسية فرنسية عن الحبّ ومقالبه

كان (جنوب فرنسا) - جمال بدومة
كان (جنوب فرنسا) - جمال بدومة

في “فينوس الكهربائية”، الذي عُرض في افتتاح مهرجان “كان” الـ 79، استطاع المخرج الفرنسي بيار سالفادوري أن يرسم بورتريها ماكرًا للحبّ وتحولاته ومقالبه من خلال كوميديا رومانسية تجري أحداثها في عشرينيات القرن الماضي بين العاصمة الفرنسية باريس وضاحية سانتوان.

كعادة مهرجان “كان” السينمائي في سنواته الأخيرة، وقع اختيار المنظمين على فيلم فرنسي لافتتاح الدورة التاسعة والسبعين: “فينوس الكهربائية”، شريط خارج المسابقة الرسمية، يعيد المخرج بيار سالفادوري إلى الواجهة، ويعيد إلى الأذهان شريطه السابق “طليق!” (2018)، الذي سبق وأن تألق فيه الممثل بيو مارماي. 

انقطاع الإلهام

يتقمص مارماي هذه المرة دور أنطوان، رسام موهوب تنقلب حياته رأسًا على عقب بعد وفاة زوجته إيرين في حادث غامض. يتوقف عن الرسم ويغرق في كآبة حادة، تؤججها عقدة الذنب تجاه زوجته التي كانت أيضًا ملهمته وسبب نجاحه الفني. تقوده خطواته التائهة إلى مدينة الملاهي في ضاحية سانتوان حيث يلتقي العرّافة سوزان (أناييس ديموستييه)، التي تمكّنه من التواصل الروحي مع زوجته. تواصلٌ مزيف في الحقيقة، لأن سوزان مُجرد محتالة، توهم أنطوان أنها “وسيطة روحية” تمكّنه من التحدّث مع إيرين، بتواطؤ مع وكيل أعماله وصديقه أرماند (جيل لولوش)، كي يستعيد بهجة الحياة ويعود إلى الرسم، نظير فرنكات محترمة. كل شيء بمقابل!

صعقة الحبّ

تدخل سوزان في اللعبة على أمل الخروج من حياة البؤس، والتحرر من سطوة تيتوس (غوستاف كيرفيرن)، الذي يستغلها في سيرك سانتوان. سوزان هي “فينوس الكهربائية”، تمنح للزبائن قبلة مشحونة بتيار كهربائي خفيف، يفرغه تيتوس في جسدها النحيل. صفّ من الرجال يقف كل يوم للظفر بقبلة لاسعة من شفتيها. صعقة الحب، بالمعنى المباشر للكلمة. 

يتوفق المخرج في استعادة تفاصيل مدن الملاهي كما كانت سائدة في بدايات القرن العشرين، بتسلياتها الطريفة واستعراضاتها الفانتازية، التي تُخفي عالمًا من البؤس والاستغلال الشنيع.

GWA

مع توالي اللقاءات بين الرسام المرهف والمشعوذة المحتالة، تتوطّد العلاقة بين سوزان وأنطوان وتتشابك الخيوط، ويصبح الحبّ لعبةً ماكرةً بين الشخصيات، كما تتحول إيرين (فيمالا بونس) إلى شخصية محورية عبر تقنية الفلاش-باك، بعد أن عثرت سوزان على دفاتر يومياتها وأصبحت تستعين بها في النصب على الفنّان المكلوم. هكذا ينساب السَّرد بين زمنين متوازيين، ويتكشف من خلاله الوجه الخفي لأرماند، صديق أنطوان ووكيل أعماله…

تواطؤ فني 

ينجح بيار سالفادوري في حبك كوميديا رومانسية، دون مبالغات، تستعرض شخصيات هشّة، تحمل كلّها آثار ندوب نفسية (أنطوان) أو اجتماعية (سوزان) أو جسدية (أرماند)، وتجد نفسها في مواقف لا تخلو من طرافة، كما يكشف العلاقة المركبة بين الحب والكذب والمكر والخداع، وكيف يدفع الحزن أحيانًا إلى تصديق الأوهام. 

الفيلم يكرّس التواطؤ الفني بين بيار سالفادوري والممثل بيو مارماي، الذي سبق وأن تقمّص الدور الرئيسي في ثلاثة أفلام سابقة للمخرج، “في الساحة” (2014)، و”طليق!” الذي ترشّح بفضله لجائزة “سيزار” كأفضل ممثل لعام 2019، و”الشلة الصغيرة” (2022). 

يتألق مارماي في دور الأرمل المكلوم، والرسام المرهف، الذي توقف عنه الإلهام بعد رحيل زوجته، ويشكل ثنائيًا ناجحًا مع أناييس ديموستييه، الحائزة على “سيزار” كأفضل ممثلة لعام 2020 عن دورها في فيلم “أليس والعمدة”. 

كاريكاتور البؤس الفني

تتقمّص ديموستييه شخصية عرافة كاريكاتورية، تأمل في التحرر من البؤس الذي تعيش فيه، داخل مدينة الملاهي في سانتوان. لكنها تحفر حفرة وتسقط فيها. الممثل والمخرج جيل لولوش يبرع في تجسيد شخصية بائع اللوحات المستعد للأسوأ كي يواصل تجارته، رغم أن هشاشته تخدعه، ككل شخصيات الفيلم. 

يعيد سالفودوري تشكيل باريس إبّان ما يعرف بـ “السنوات المجنونة” في فترة ما بين الحربين العالميتين، ونستكشف العلاقة النفعية بين الرسامين ومالكي الغاليريهات، المُكلفين ببيع لوحاتهم، ومهنة الموديل، الذي يعتاش من بيع صورته في كلّ حالاتها، ويقضي وقته بين استوديوهات الرسامين ونزواتهم، ونسافر في خبايا الوسط الفني للحقبة، والمعاناة التي كان يعيشها الفنانون قبل أن يحظوا بالشهرة، وحياة الترف التي يعيشها من ابتسم لهم الحظ، في مدينة جميلة ومعطوبة، تداوي جراح الحرب بالفنّ والإبداع والإقبال بشراهة على الحبّ حتى في صيغه الصاعقة.