كان (جنوب فرنسا) - عثمان تزغارت
كان (جنوب فرنسا) - عثمان تزغارت

مقالات مشابهة

رسالة "كان" (2)

السينما العربية في “كان” الـ 79: شخوص مقتلعة من جذورها تصارع الحرب والخراب والتهجير والتمزق العائلي

كان (جنوب فرنسا) - عثمان تزغارت
كان (جنوب فرنسا) - عثمان تزغارت

مع افتتاح كل دورة من دورات مهرجان كان السينمائي، يعود السؤال إلى الواجهة بخصوص مدى حضور السينما العربية، وحظوظها في المنافسة ضمن مختلف فعاليات المهرجان. حصاد العرب هذا العام في “كان” يبدو خصبًا وواعدًا، بالرغم من القتامة التي تلقي بظلالها على الأفلام المشاركة.

السينما العربية حاضرة هذا العام، في دورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان، بملفاتها الأكثر راهنية: الهجرة، والحرب، والعمل الهش، والذاكرة، والهوية. فمن خلال مجموعة من الأفلام القادمة من المغرب وفلسطين ولبنان والسودان واليمن، تعود سينما الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى الكروازيت مُحمّلة بجراح المنطقة وأسئلتها المفتوحة، في دورة تكشف استمرار الرهان العربي على السينما بوصفها أداة مقاومة وتأمل في آن واحد.

“نظرة ما”.. المنصة الأبرز للحضور العربي

ويبرز الحضور العربي بشكل خاص داخل قسم “نظرة ما”، أحد أهم منصات اكتشاف الأصوات السينمائية الجديدة في المهرجان، حيث يشارك فيلمان عربيان ضمن القائمة الرسمية التي تضم 11 عملًا من مختلف أنحاء العالم.

المخرجة المغربية ليلى مراكشي تعود إلى “كان” بفيلمها الجديد “الأكثر حلاوة” (La Más Dulce)، في عودة تحمل دلالة خاصة، إذ سبق أن قدمت فيلمها الأول “ماروك” ضمن القسم نفسه عام 2005، قبل أن تواصل مسيرتها بفيلم “روك القصبة” عام 2013. ويعد العمل الجديد ثالث أفلامها الروائية الطويلة، والأكثر التصاقًا بالواقع الاجتماعي والهجرة والعمل النسائي الهش.

الفيلم، الذي صُوّر بين المغرب وإسبانيا، يتناول حياة عاملات مغربيات موسميات في مزارع الفراولة بمنطقة هويلفا الإسبانية، حيث تغادر البطلة “حسناء” بلدها على أمل تحسين أوضاع عائلتها، قبل أن تصطدم بعالم من الاستغلال والانتهاكات وظروف العمل القاسية. ومن خلال شخصيات نسائية متعددة، ترصد مراكشي التوتر القائم بين الحاجة الاقتصادية والكرامة الإنسانية، في معالجة تقترب من السينما الاجتماعية ذات الحس الإنساني والسياسي.

وتؤدي البطولة كل من نسرين الراضي وهاجر غريغا وفاطمة عاطف، فيما استعانت المخرجة بعاملات حقيقيات في قطف الفاكهة لأداء بعض الأدوار، في محاولة لمنح الفيلم بعدًا واقعيًا وتوثيقيًا يلامس التجربة اليومية للنساء العاملات على هامش الاقتصاد الأوروبي.

فلسطين ولبنان.. تفكيك المجتمعات المغلقة

أما الحضور الفلسطيني في “نظرة ما”، فيأتي عبر فيلم “البارحة ما نامت عين” للمخرج والكاتب راكان مياسي، في أول تجربة روائية طويلة له. وتدور الأحداث داخل قرية بدوية في سهل البقاع اللبناني، حيث يؤدي اختفاء فتاة تدعى “جمرة” بعد اتهامها بإحراق سيارة حبيبها إلى تفجر أسرار مجتمع مغلق تحكمه الأعراف والخوف والسلطة الذكورية.

ويبدو الفيلم امتدادًا لاهتمام مياسي بالعوالم الهامشية واللغة البصرية المكثفة، مع تأثر واضح بسينما عباس كيارستمي، حيث يعتمد الفيلم على الإيقاع البطيء والإيحاء البصري أكثر من السرد التقليدي، في محاولة لتفكيك البنية الاجتماعية للمجتمعات المغلقة.

ولا يقتصر الحضور العربي على الأفلام الطويلة، بل يمتد إلى الأفلام القصيرة والأقسام الموازية، حيث تبرز ثيمات المنفى والذاكرة والانقطاع بوصفها القاسم المشترك بين عدد كبير من الأعمال. ففي فيلم “بماذا تحلم الماكينات؟” تتابع المخرجة الجزائرية سارة ريما شخصيات تعيش على حافة الهجرة، بينما يعود السوري داوود العبدالله في “نفرون” إلى دمشق بوصفها مدينة تتغير تحت وطأة الحرب والتحولات السياسية.

كما يقدم اللبناني علي شري فيلمه “الحارس”، الذي يمزج بين الواقع والحلم عبر رحلة جندي ليلية داخل فضاء نفسي مضطرب، فيما يستعيد الفيلم السوداني “لا شيء يحدث بعد غيابك” فكرة عرض السينما نفسها كفعل مقاومة في مواجهة الحرب والانهيار.

ومن اليمن، تشارك المخرجة سارة إسحاق بفيلم “المحطة”، الذي تدور أحداثه داخل محطة وقود مخصصة للنساء فقط، في معالجة تتأمل معنى الحماية المؤقتة والخوف والحياد وسط حرب طاحنة.

حضور عربي داخل مؤسسات المهرجان

وخارج الشاشة، يواصل الحضور العربي ترسيخ موقعه داخل البنية المؤسسية للمهرجان. إذ تترأس المخرجة الكندية من اصل مغربي ليلى مراكشي لجنة تحكيم “الكاميرا الذهبية”، والممثلة الفرنسية – الجزائرية ليلى بختي لجنة تحكيم قسم “نظرة ما”، ، بينما يشارك الملحن اللبناني خالد مزنر عضوًا في اللجنة، في مؤشر على اتساع التأثير العربي داخل واحدة من أهم المؤسسات السينمائية العالمية.

وتكشف دورة هذا العام أن السينما العربية لم تعد معنية فقط بتقديم صورة عن هموم المنطقة، بل أصبحت تنشغل أكثر بتفكيك آثار الخراب والهجرة والاقتلاع على الإنسان العادي. فمعظم هذه الأفلام تنطلق من حكايات شخصية صغيرة، لكنها تنتهي إلى أسئلة كبرى تتعلق بالهوية والعدالة والذاكرة والحق في الحياة.

ورغم استمرار اعتماد غالبية هذه الأعمال على شبكات الإنتاج الأوروبي والتمويل المشترك، فإن حضورها المتكرر في مهرجان كان السينمائي يؤكد أن السينما العربية، حتى في أكثر لحظاتها هشاشة، لا تزال قادرة على الوصول إلى العالم، وعلى تحويل الألم اليومي في المنطقة إلى لغة سينمائية عابرة للحدود.