ضمن معادلة تقليدية لأعمال السيرة ذات الطابع الغنائي، يحقق فيلم “مايكل” حضورًا جماهيريًا لافتًا مستندًا إلى إرث مايكل جاكسون، لكنه يواجه في المقابل انتقادات متصاعدة بسبب معالجته الانتقائية. العمل، الذي أخرجه أنطوان فوكوا وكتبه جون لوغان وتنتجه Lionsgate بميزانية تقارب 150 مليون دولار، يُصنَّف ضمن أضخم الإنتاجات في هذا النوع، ويكشف عن ميل واضح نحو الطابع الاستعراضي على حساب البناء التحليلي العميق.
منذ افتتاحيته، يقدّم الفيلم نفسه كعرض بصري مُتقن: إعادة بناء الحفلات، تصميم رقصات دقيقة، وإضاءة مسرحية تعيد خلق هالة النجومية. في هذه المساحات، يبلغ الفيلم ذروته الفنية، لكنه خارجها يعود إلى مسار سردي حذر، يركّز على الصعود ويتجنب المواجهة.
جعفر جاكسون.. قلب الفيلم
يبرز جعفر جاكسون بوصفه الركيزة الأساسية للعمل. أداؤه لا يقوم على التشابه فقط، بل على استيعاب بنية الأداء: الانكسار الجسدي، الإيقاع الداخلي، والتحول من خجل الكواليس إلى انفجار المسرح.
في مشاهد الاستعراض، يختفي الفيلم تقريبًا خلف أدائه؛ تتحول الكاميرا إلى تابع، ويصبح الجسد الراقص هو السرد الحقيقي. هنا تحديدًا، يقترب العمل من استحضار الأسطورة بدل تمثيلها.
لكن المفارقة أن هذا التفوق يفضح ضعف النص؛ فحين يغيب الاستعراض، يتراجع العمق، وتظهر محدودية البناء الدرامي الذي لا يمنح الشخصية مساحات كافية للتعقيد.
مقارنة بإنتاجات مماثلة
يضع فيلم “مايكل” نفسه تلقائيًا في مقارنة مع موجة أفلام السيرة الموسيقية الحديثة، مثل فيلم الملحمة البوهيمية، وفيلم إلفيس، وفيلم رجل الصاروخ.
في “الملحمة البوهيمية”، ورغم الانتقادات، كان هناك توازن بين الاستعراض والسرد، مدعومًا بأداء رامي مالك، مع محاولة لتفكيك شخصية فريدي ميركوري.
“إلفيس” اختار مقاربة بصرية جريئة، حيث مزج باز لورمان بين الفانتازيا والواقع، مقدّمًا سيرة تُقرأ كحالة ثقافية لا مجرد قصة نجاح. أما” رجل الصاروخ” ، فذهب أبعد من ذلك، محوّلًا السيرة إلى تجربة نفسية–موسيقية، استخدم فيها الغناء كأداة درامية لا استعراضية فقط.
مقابل ذلك، يبدو “مايكل” أكثر تحفظًا؛ إنتاجه أضخم، لكن مقاربته أقل جرأة. يربح في إعادة إنتاج العروض، لكنه يخسر في الابتكار السردي، ويكتفي ببناء أيقوني لا يغامر بتفكيك الأسطورة.
طاقم داعم وإخراج بصري
يضم الفيلم أسماء مثل كولمان دومينغو ونيا لونغ ومايلز تيلر وكات غراهام، في أدوار تعزز الخط الرئيسي دون أن تنافسه. أما الإخراج فيعتمد على لقطات واسعة ومونتاج سريع يخدم الإيقاع الموسيقي، لكنه يفتقر أحيانًا إلى المساحات الصامتة التي تسمح بتكثيف البعد الإنساني.
يعكس استقبال الفيلم فجوة واضحة: الجمهور يتفاعل مع الحنين والأغاني، بينما يتوقف النقاد عند حدود المقاربة، معتبرين أن العمل أقرب إلى “احتفاء مرخّص” منه إلى سيرة شجاعة. النجاح التجاري يعكس قوة العلامة، لكن التحفظ النقدي يكشف حدود الرؤية.
“مايكل” فيلم يعرف أين تكمن قوته: في الجسد، في الإيقاع، في المسرح. لكنه يتردد في الذهاب أبعد من ذلك. وجعفر جاكسون يقدّم أداءً يقترب من الاستحضار، ويمنح الفيلم شرعيته الفنية، لكن العمل الذي يحمله يفضّل الأيقونة على الإنسان. هكذا يخرج كعمل ضخم بصريًا، ناجح جماهيريًا، لكنه—مقارنة بأبرز أفلام السيرة الموسيقية الحديثة—أقل جرأة وأقرب إلى الأسطورة منه إلى الحقيقة.















