كان (جنوب فرنسا) - عثمان تزغارت
كان (جنوب فرنسا) - عثمان تزغارت

مقالات مشابهة

رسالة "كان" (4)

“أرض الأب”: فيلم بولندي يُثير أسئلة حارقة حوّل دور المثقف في مواجهة أنظمة الاستبداد

كان (جنوب فرنسا) - عثمان تزغارت
كان (جنوب فرنسا) - عثمان تزغارت

في فيلم “أرض الأب” Fatherland، يعود المخرج البولندي بافل بافليكوفسكي إلى تيمته المفضلة: المنطقة الرمادية بين التاريخ والضمير، بين الذاكرة الفردية والعنف السياسي، ومأساة الإنسان حين يظن أنه قادر على التحايل على الآلة القمعية للتأثير عليها من الداخل، قبل أن يكتشف أنه بات جزء من منظومتها.

الفيلم، الذي ينافس على السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي الـ79، ليس فقط دراما سياسية عن أوروبا القرن العشرين، بل تأمل قاسٍ في مصير المثقف داخل الأنظمة التوتاليتارية التي تبتلع الجميع، حتى أولئك الذين يعتقدون أنهم قادرون على “التأثير من الداخل”.

إغواء التأثير ووهم النجاة

منذ مشاهده الأولى، يبني بافليكوفسكي عالمًا خانقًا، باردًا، يكاد يخلو من الهواء النقي. الشخصيات لا تتحرك بحرية، بل تسير مدفوعة بقوى خفية أكبر منها: الدولة، الحزب، التاريخ، والخوف. هنا، لا يعود السؤال: “بماذا تؤمن؟” بل “كيف ستنجو؟”. وهي الفكرة ذاتها التي حكمت السجال التاريخي بين الشاعر الألماني غوتفريد بن Gottfried Benn واللروائي كلاود مان Klaus Mann (الذي ينتحر في الفيلم بالتزامن مع عودة والده، صاحب نوبل للآداب، توماس مان إلى ألمانيا بعد اندحار النازية لتكريمه عبر منحه جائزة غوته). 

يبدو بطل الفيلم (توماس مان) تجسيدا حيّا  لهذا الإشكال الثقافي. إنه مثقف يؤمن – أو يريد أن يؤمن – بأن قربه من السلطة يمنحه هامشًا للتأثير. لا يقدم الفيلم هذا الخيار كخيانة مباشرة، بل كإغواء تدريجي. وهذا ما يجعل العمل أكثر عمقًا: فالاستبداد هنا لا يظهر كوحش فج، بل كمنظومة تعرف كيف تُغري، كيف تمنح المثقف شعورًا زائفًا بالأهمية، قبل أن تحوّله إلى مجرد ديكور يعطي الشرعية لسلطتها.

ماكينة الأكاذيب الشمولية

بافليكوفسكي يفهم جيدًا أن الأنظمة التوتاليتارية لا تحتاج إلى الفكر، بل إلى صورته فقط. ولذلك، فإن أكثر لحظات الفيلم إيلامًا ليست لحظات القمع المباشر، بل لحظات التواطؤ الصامت: الاجتماعات الثقافية، التصفيق البارد، الصمت الذي يسبق الكارثة. هناك، يتحول المثقف من شاهد على الحقيقة إلى موظف داخل ماكينة إعادة إنتاج الأكاذيب.

بصريًا، يواصل المخرج أسلوبه التقشفي الذي عُرف به منذ فيلميه “إيدا” و”حرب باردة”: كادرات ثابتة، فراغات واسعة، وشخصيات تبدو دائمًا أصغر من المكان الذي يحاصرها. لكن هذه السمات الأسلوبية تكتسب هنا مغزى سياسيًا إضافيًا. الصورة نفسها تصبح استعارة عن الفرد داخل الدولة الشمولية: كائن محاصر داخل إطار ساحق لا يستطيع الإفلات منه.

الأهم أن الفيلم لا يقع في رومانسية المنفى المضادّة. فكما أن البقاء قرب السلطة يهدّد بالفساد، فإن الهروب لا يضمن الخلاص. الشخصيات التي تغادر تحمل معها خرابها الداخلي، وتكتشف أن الحرية خارج الوطن قد تتحوّل إلى شكل آخر من العزلة. هنا يستعيد الفيلم مجددًا مع مأساة كلاوس مان: امتلاك حرية القول، مقابل فقدان القدرة على التأثير. المنفى يمنح الصوت، لكنه ينتزع الجذور.

لذا، لا يقدم Fatherland أجوبة أخلاقية سهلة. لا توجد شخصية نقية بالكامل، ولا خيانة مكتملة الوضوح. الجميع عالق داخل منطقة رمادية، لأن الفيلم يفهم أن الاستبداد الحقيقي لا يفسد الأفراد فقط، بل يفسد شروط الاختيار نفسها. وحين تصبح كل الخيارات مكلفة، تتحوّل النجاة إلى شكل آخر من أشكال الهزيمة.

بين تلوث الخيارات وسقوط الضمير

في جوهره، يبدو الفيلم كأنه مرثية للمثقف الأوروبي في القرن العشرين، وربما للمثقف عمومًا. ذلك الكائن الذي يكتشف متأخرًا أن قربه من السلطة لا يغيرها، بل يغيره هو. وأن الصمت لا يحمي أحدًا، بل يؤجل العقاب فقط. وأن الحفاظ على الضمير ليس بطولة رومانسية، بل خسارة مؤجلة.

لهذا السبب، يخرج Fatherland عن كونه فيلمًا تاريخيًا عن أوروبا، ليصبح فيلمًا معاصرًا بامتياز. فالعالم الذي يصوّره ليس بعيدًا: دول تبتلع المجال العام، أنظمة تعيد تصنيع النخب الثقافية، ومثقفون يتأرجحون بين وهم التأثير والخوف من الإقصاء. 

وفي خضم هذا كله، يطرح بافليكوفسكي سؤاله الأكثر قسوة: ماذا يبقى من الإنسان حين تصبح كل الخيارات ملوثة؟

لا يجيب الفيلم بشكل مباشر. لكنه يتركنا أمام حقيقة جارحة: في الأزمنة التوتاليتارية، لا يُقاس نجاح المثقف بما يحققه، بل بما يحاول ألا يخسره. صوته. ضميره. ذاكرته. ووعيه بأن كل تنازل صغير يترك أثرًا وخيما لا يغتفره التاريخ.