يُعدّ فيلم “فيورد” للمخرج الروماني كريستيان مونجيو واحدًا من أبرز الأعمال المشاركة في الدورة الحالية من مهرجان “كان” السينمائي، ليس فقط بسبب المكانة السينمائية الرفيعة لصاحب “4 أشهر، 3 أسابيع ويومان” (السعفة الذهبية -2007)، بل أيضًا لأنه يطرح بأسلوب إنساني وفلسفي إشكالية الاختلاف والتسامح داخل المجتمعات متعددة الثقافات والأديان.
الفيلم، الذي تدور أحداثه في قرية نرويجية معزولة، يتناول قصة عائلة رومانية ـ نرويجية محافظة دينيًا تواجه نظرة المجتمع ومؤسساته بعد الاشتباه في ممارساتها التربوية المتشددة تجاه أطفالها.
صدام ثقافي عميق
منذ المشاهد الأولى، يضع مونجيو المشاهد أمام صدام ثقافي عميق بين منظومتين للقيم: الأولى تنتمي إلى خلفية رومانية محافظة تستند إلى التقاليد الدينية والسلطة الأبوية، والثانية تعبّر عن مجتمع اسكندنافي ليبرالي يؤمن بحقوق الطفل والحريات الفردية. هذا التصادم لا يُقدَّم بوصفه مواجهة بين الخير والشر، بل باعتباره صراعًا معقدًا بين رؤيتين مختلفتين للعالم، لكل منهما منطقها الداخلي ومبرراتها الثقافية. وهنا تكمن قوة الفيلم؛ إذ يرفض الأحكام الأخلاقية الجاهزة، ويجعل المتفرج يتأرجح باستمرار بين التعاطف مع العائلة والخوف من تسلطها على أبنائها.
يعالج الفيلم مفهوم التسامح بوصفه اختبارًا حقيقيًا للمجتمعات الحديثة. فالمجتمع النرويجي الذي يرفع شعار الانفتاح والتعددية يبدو، في لحظات كثيرة، عاجزًا عن فهم الخصوصية الثقافية للعائلة الرومانية. وتظهر المؤسسات الاجتماعية والقانونية وكأنها تمارس نوعًا من الوصاية الأخلاقية التي قد تتحول – ويا لها من مفارِقة – إلى شكل جديد من الإقصاء.
بهذا المعنى، يطرح مونجيو سؤالًا جوهريًا: هل تستطيع المجتمعات الليبرالية أن تتسامح فعلًا مع أنماط العيش المختلفة عنها، أم أن قبول الآخر يبقى مشروطًا بخضوعه لقيم الأغلبية؟
من الثقافة أو الدين إلى اللغة والهوية والانتماء
ولا يقتصر الاختلاف في الفيلم على البعد الثقافي أو الديني فقط، بل يمتد إلى اللغة والهوية والانتماء. فالأطفال، الذين يعيشون بين ثقافتين، يصبحون ضحايا هذا التمزق، إذ لا ينتمون كليًا إلى عالم آبائهم، ولا يستطيعون الاندماج الكامل في المجتمع الجديد. ويستخدم المخرج هذا التوتر ليكشف هشاشة مفهوم الهوية داخل المجتمعات المعاصرة، حيث يتحول الإنسان المهاجر إلى كائن معلّق بين وطنين ومنظومتين أخلاقيتين.
أسلوبيًا، يحافظ مونجيو على البصمة المعروفة للسينما الرومانية الجديدة التي يعدّ أحد أبرز أقطابها، إذ يعتمد على اللقطات الطويلة والإيقاع البطيء والحوار المكثف. ما يمنح الفيلم طابعًا واقعيًا وتأمليًا. كما أن الطبيعة النرويجية الباردة والفضاءات المغلقة تعكس عزلة الشخصيات النفسية، وتحوّل الـ “فيورد” (تسمية إسكندنافية تطلق على خلجان بحرية ضيّقة وعميقة تحيط به جبال شديدة الانحدار تكوَّنت نتيجة ذوبان الأنهار الجليدية عبر آلاف السنين) إلى رمز للهوة العميقة التي تفصل بين البشر رغم تعايشهم في المكان ذاته.
التأمّل في الحدود الفاصلة
أهمية “فيورد” لا تكمن فقط في قصته العائلية، بل في قدرته على مساءلة مفاهيم الحداثة والتسامح والتعايش. فهو فيلم يدعو المشاهد إلى التأمّل في الحدود الفاصلة بين احترام الاختلاف وحماية القيم الإنسانية، وبين الحرية الفردية والسلطة المجتمعية القائمة على حماية الصالح العام.
من خلال هذه الجدلية المعقدة، نجح كريستيان مونجيو في تقديم عمل سينمائي يعكس بامتياز التوترات التي تعيشها أوروبا المعاصرة، حيث أصبحت مسألة التعايش بين الثقافات والأديان واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية.















