كان (جنوب فرنسا) - عثمان تزغارت
كان (جنوب فرنسا) - عثمان تزغارت

مقالات مشابهة

رسالة "كان" (16)

ثلاثة أفلام في مسابقة “كان” الـ 79.. المثلية بوصفها تورية عن التسامح وفوبيا الاختلاف!

كان (جنوب فرنسا) - عثمان تزغارت
كان (جنوب فرنسا) - عثمان تزغارت

في الدورة الـ79 لمهرجان “كان” السينمائي، يبدو واضحاً أن السينما العالمية لم تعد تتعامل مع موضوع المثلية الجنسية باعتباره “قضية” منفصلة، بل باعتباره مرآة دقيقة لدرجة تحرّر المجتمعات، ولطريقة نظرها إلى الجسد والرغبة والحرية الفردية.

ثلاث أفلام من ثقافات متباعدة التقت هذا العام داخل المسابقة الرسمية، لكنها بدت وكأنها ترسم خريطة إنسانية واحدة: اليابان، فرنسا وأمريكا الثمانينيات مع ظهور مرض الإيدز. ثلاث مقاربات مختلفة تماماً، وثلاث رؤى للعالم، لكن السؤال نفسه ظل يطارد الشخصيات: كيف يمكن للإنسان أن يحب داخل مجتمع يخاف من الاختلاف؟

الصمت الياباني

الفيلم الياباني Nagi Notes للمخرج كوجي فوكادا كان دون شك أكثر أفلام المسابقة هدوءاً… وبالتالي أكثرها قسوة. فوكادا لا يصنع فيلماً عن المثلية بقدر ما يصنع فيلماً عن الصمت الياباني نفسه. في مجتمع لا يقول الأشياء مباشرة، تتحول المشاعر إلى ظلال خافتة، وإلى نظرات طويلة وصمت ثقيل ومشاعر مؤجلة. شخصيات الفيلم لا تواجه الرفض الصريح، بل تواجه شيئاً أكثر تعقيداً: مجتمعاً يفضل تجاهل وجودها بالكامل.

هنا تكمن قوة الفيلم. اليابان التي يصورها فوكادا ليست مجتمعاً معادياً بشكل مباشر، لكنها أيضاً ليست مجتمعاً متصالحاً مع الحرية الفردية. كل شيء يجب أن يبقى داخل حدود الحياة الشخصية، حدود الصمت، وحدود اللياقة الاجتماعية. حتى الحب المثلي نفسه يبدو وكأنه اعتذار دائم عن وجوده نفسه. لذلك يأتي الفيلم مشبعاً بحزن داخلي عميق، وبإحساس دائم بأن الشخصيات تعيش حياتها وكأنها تختبئ من العالم.

تفصيل عادي داخل حياة إنسانية معقدة

في الجهة المقابلة تماماً، بدا الفيلم الفرنسي La Vie d’une femme لشارلين بورجوا-تاكيه وكأنه ينتمي إلى زمن اجتماعي مختلف بالكامل. هنا لم تعد المثلية أزمة وجودية أو موضوعاً للمواجهة مع المجتمع، بل أصبحت جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية. البطلة، الجراحة الباريسية التي تؤدي دورها ليا دروكر، تتحرك بين العلاقات العاطفية بحرية كاملة، دون شعور بالذنب أو الحاجة إلى تبرير اختياراتها.

الفيلم الفرنسي لا يناقش شرعية الحب المثلي، لأنه يعتبر أن هذا النقاش حُسم منذ زمن. ما يشغل المخرجة هو الوحدة الحديثة، تعب العلاقات، الخوف من التقدم في العمر، والفراغ العاطفي الذي يطارد الطبقة البورجوازية الأوروبية المعاصرة. وهذه ربما أهم ملامح الفيلم: المثلية هنا لم تعد “موضوعاً”، بل أصبحت تفصيلاً عادياً داخل حياة إنسانية معقدة.

إنه الفرق العميق بين مجتمع لا يزال يعيش تحت سلطة الصمت الاجتماعي، وآخر تجاوز مرحلة الخوف من الاختلاف إلى مرحلة التعامل معه كجزء طبيعي من النسيج الإنساني.

سنوات الرعب الكبرى

أما الفيلم الأمريكي “الرجل الذي أحببته” (The Man I Love) للمخرج إيرا ساكس، فقد أعاد المهرجان فجأة إلى سنوات الرعب الكبرى: نيويورك الثمانينيات في ذروة وباء الإيدز.

وسط حضور لافت على السجادة الحمراء، خطف رامي مالك الأنظار خلال العرض العالمي الأول للفيلم، لكن خلف البريق الهوليوودي تختبئ واحدة من أكثر قصص المسابقة حزناً وقتامة. يؤدي مالك دور جيمي جورج، الفنان المسرحي الذي يواجه مرض الإيدز بينما يحاول التمسك بشغفه الفني وحياته العاطفية في مدينة كانت آنذاك تعيش بين انفجار الحرية وانهيار أجساد جيل كامل.

إيرا ساكس لا يصنع فيلماً عن المرض فقط، بل عن هشاشة الإنسان أمام الزمن والخوف والفقدان. نيويورك التي تظهر في الفيلم ليست مدينة رومانسية، بل مدينة جريحة، مكتظة بالخوف والموسيقى والرغبة واليأس. النوادي الليلية، المسارح البديلة، الشقق الصغيرة، والمستشفيات الممتلئة… كلها تتحول إلى ذاكرة بصرية لمرحلة غيرت تاريخ المجتمعات الغربية إلى الأبد.

ما يمنح الفيلم قوته الحقيقية هو الطريقة التي يربط بها بين الحب والموت. الشخصيات تعيش وكأنها ترقص على حافة النهاية. الموسيقى داخل الفيلم ليست مجرد خلفية، بل شكل من أشكال مقاومة الانهيار. أما أداء رامي مالك، فقد بدا من أكثر الأداءات حساسية هذا العام في كان، بألم داخلي صامت وملامح منهكة تحمل شعور جيل كامل كان يرى أصدقاءه يختفون الواحد تلو الآخر.

علاقة المجتمع بالخوف

المثير أن الأفلام الثلاثة، رغم اختلاف لغاتها وثقافاتها، بدت وكأنها تتحدث عن الشيء نفسه: علاقة المجتمع بالخوف.

اليابان تخاف من كسر الصمت، فرنسا تجاوزت الخوف وحولت الحرية إلى أمر طبيعي، لكنها تخاف من الضياع والخواء الروحي. أما أمريكا الثمانينيات فكانت تخاف من الجسد نفسه بعد أن تحول الحب إلى احتمال للموت بسبب انتشار الإيدز.

هنا تحديداً تكمن قوة هذه الدورة من مهرجان “كان”: السينما لم تكن تتحدث عن المثلية بقدر ما كانت تتحدث عن التسامح، وعن قدرة المجتمعات على تقبل الإنسان كما هو، دون خوف أو إنكار أو عقاب.