في مهرجانٍ طالما أغرى السينمائيين بوهم الخلود، يعود بيدرو ألمودوفار هذا العام وكأنه لا يطلب اعترافاً متأخراً، بل يكاد يفرضه فرضاً. فيلمه الجديد “الميلاد المرير” ليس مجرد عمل آخر في مسيرة أحد أعظم صُنّاع السينما الأوروبية المعاصرة، بل يبدو كلحظة تصفية حساب رمزية بين المخرج ومهرجان كان السينمائي.
منذ العرض الأول للفيلم، بدا واضحاً أنّ شيئاً غير اعتيادي يحدث في القاعات المزدحمة على جادة الكروازيت. التصفيق لم يكن بروتوكولياً، والنقاد لم يتعاملوا مع الفيلم باعتباره “عودة موفقة” لمخرج مخضرم، بل كعمل ناضج حدّ الوجع، متوهّج حدّ القسوة، يحمل كل السمات التي جعلت من ألمودوفار اسماً مرادفاً للسينما التي تكتب الجسد بالحبر، والذاكرة بالنار.
فيلم الخسارات المتأخرة
“الميلاد المرير” فيلم عن الخسارات التي تأتي متأخرة، عن أمومة مجروحة، وعن رجال ونساء يعيشون داخل خرابهم العاطفي كما لو أنه قدر محتوم. لكنه، في العمق، فيلم عن الزمن نفسه: الزمن الذي يحوّل الحب إلى ندبة، والرغبة إلى شبح، والنجاة إلى نوع من العقاب المؤجل. وهذه تحديداً هي المنطقة التي طالما كان ألمودوفار معلّمها الأكبر.
لا أحد في السينما الأوروبية المعاصرة يعرف كيف يخلط الميلودراما بالفلسفة مثل هذا الإسباني القادم من “لا مانتشا”. الكاميرا عنده لا تصوّر الشخصيات، بل تفتّش في هشاشتها الداخلية. الألوان الصارخة التي طالما اتُّهم بسببها بالمبالغة، تتحول هنا إلى لغة نفسية كاملة: الأحمر ليس لوناً، بل نزيف داخلي. والأزرق ليس ديكوراً، بل عزلة!
ولعل أكثر ما يلفت في الاستقبال النقدي الحار للفيلم، أنه يحمل شيئاً من الاعتذار الضمني المتأخر. كأنّ مهرجان “كان” يحاول اليوم التكفير عن خطيئته الكبرى بحق ألمودوفار، يوم أفلتت منه “السعفة الذهبية” سنة 1999، عندما قدّم رائعته الخالدة “كل شيء عن أمي”، ذلك الفيلم الذي غادر “كان” مكتفيا بـ “الجائزة الكبرى” بدلا من “السعفة”، لكنه مضى بعدها ليحتل مكانته كأحد أعظم أفلام نهاية القرن العشرين.
قرار مثير للجدل
كان ذلك واحداً من أكثر القرارات التحكيمية إثارة للجدل في تاريخ المهرجان. فالعالم كلّه اتفق لاحقاً على أن “كل شيء عن أمي” لم يكن مجرد فيلم ممتاز، بل لحظة مفصلية أعادت تعريف السينما الإنسانية في أوروبا. وربما لهذا السبب بالذات تبدو الحفاوة الحالية بـ“الميلاد المرير” مشوبة بشيء من تأنيب الضمير الثقافي.
ألمودوفار، الذي تجاوز منذ سنوات طوال الحاجة إلى الجوائز لإثبات عظمته، يدخل اليوم المهرجان من باب الأساتذة الكبار الذين صاروا أكبر من كل المسابقات. ومع ذلك، يبقى للسعفة الذهبية معنى رمزي خاص، فهي ليست جائزة فحسب، بل اعتراف رسمي من المؤسسة السينمائية الأكثر نفوذاً في العالم.
وأيّا كانت خيارات لجنة التحكيم، فإن “الميلاد المرير” نجح سلفا في تحقيق إنجاز: لقد أعاد طرح السؤال القديم بإلحاح جديد: كيف أمكن لمهرجان يدّعي صناعة تاريخ السينما أن يترك، ذات يوم، تحفة مثل “كل شيء عن أمي” تفلت من بين أصابعه؟
لعل الجواب: لأن المهرجانات – مثل البشر- لا تدرك قيمة بعض التحف، أحيانا، إلا بعد فوات الأوان!















