ليست السينما داخل السينما ما يهيمن على أفلام الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان “كان” فقط، بل التاريخ أيضًا، خصوصًا الحرب العالمية الثانية. مخرجون يحبون تأمل فنهم وحياتهم والنظر في وجوههم، وفي “الربتريفيزر” (المرآة الارتدادية) أحيانًا.
تدور أحداث “فاذرلاند” للبولندي بافل بافليكوفسكي مباشرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وتقسيم ألمانيا، حيث نكتشف كاتبًا كاريزميًا وأنانيًا، يزور بلاده بشطريها، يعتبر نفسه فوق السياسة والأدب والأسرة وكل شيء، اسمه توماس مان. أما فيلم “مولان” للهنغاري لازلو نيميس فيقدم الأيام الأخيرة لجان مولان قائد المقاومة الفرنسية إبان الاحتلال النازي. نفس الحقبة تدور فيها أحداث شريط “معركة ديغول” لأنطونان بودري، المبرمج خارج المسابقة الرسمية، وفيلم “خلاصنا” لإيمانويل مار.
ضربة على المؤخرة أفضل من رصاصة في الرأس
في “خلاصنا”، يستلهم المخرج سيرة جده الأكبر كي يحكي قصة من قلب فرنسا المتعاونة مع النازية في أربعينيات القرن الماضي. الشخصية المحورية بطل-مضاد، فرنسي من “أيها الناس”. هنري مار (سوان أرلو) مهندس طموح، يفتش عن مكان في إدارة فيشي عقب هزيمة 1940، وتقسيم فرنسا لمنطقتين، محتلة وحرة. خمسيني مفلس، ترك زوجته وأولاده وجاء يبحث عن مستقبله في فرنسا النازية.
يبدأ الفيلم بسهرة لمجموعة من الموظفين المرموقين، الذين جاؤوا للاستقرار والعمل في عاصمة العار. فقاعات الشامبانيا تشعشع في الكؤوس، كأنهم يحتفلون بشيء ما. يحتفلون بالهزيمة التي حولوها إلى “انتصار وطني”، تحت قيادة فيليب بيتان. يظنون أن الماريشال حجز لفرنسا مكانة مرموقة في أوربا الألمانية، وديغول “يطعنها برصاصة في الظهر”. العمالة هي العملة الرائجة، والانتهازية أيضًا. يقول واحد من المتعاونين في أحد الحوارات: “ضربة في المؤخرة أفضل من رصاصة في الرأس”.
أسرار العائلة
هنرى نشر كتابا على حسابه الخاص، تحت عنوان “خلاصنا” يضع فيه تصوره لنجاح الإدارة، مع استعمال مفهوم غير معروف وقتها “Le mangment” بالنطق الفرنسي طبعًا. يعرض هنري خدماته على المسؤولين في حكومة فيشي بكل ما يملك من جرأة وانحناء ومهانة. ويتعرض لكثير من الإذلال قبل أن يعثر أخيرًا على منصب في وزارة الشغل مقابل خدمة يقدمها لأحد الوزراء. يحصل على بيت في ليموج ويلم شمل العائلة. يصبح هنري شخصية هامة في وزارة العمل ويطبق نظرياته، فيما تغرق البلاد في الوحل كل يوم أكثر.
“خلاصنا” هو الشريط الأول الذي يوقعه إيمانويل مار لوحده، بعد “لاشي يهمني” الذي أخرجه بالاشتراك مع جولي لوكوستر عام 2022. مغامرة فنية شجاعة لأن المخرج يعتمد في قصته على أسرار عائلية. الفيلم مُستلهم من سيرة جدّه الأكبر. المراسلات التي يتبادلها هنري مار مع زوجته بوليت (ساندرين بلانك) طوال الشريط هي وثائق حقيقية. بوليت أكثر اتزانا من زوجها. نفهم من المراسلات أنه بدّد ثروتها على مشاريعه الفاشلة. وكلما توغل في الفظاعة كلما فقدها أكثر.
العود الأبدي
يرسم المخرج صورة لفرنسا الرمادية في الأربعينيات من القرن الماضي، حيث الجميع يتعاون مع النازية دون مشكلة تقريبًا. نكتشف إدارات يهيمن عليها الارتجال، وبلادًا تتمرغ في الوحل، لكنها تبجل القائد الذي يريد منحها “هوية وطنية”، تنهض على قيم العائلة والعمل، والخضوع للنازية.
ينجح إيمانويل مار في ضبط إيقاع الشريط وحبكته الدرامية. يصعد هنري وتنزل فرنسا. الشخصيات محكمة البناء. سوان أرلو يتألق في دور الانتهازي الساذج، لدرجة تجعلنا نتعاطف مع شخصية غارقة في الذل والعار.
فنيًا، يبتعد “خلاصنا” عن الأسلوب التقليدي كما عهدناه في الأفلام التاريخية، لا يرسم لوحة ملحمية لسنوات الاحتلال النازي، بل ينقل قصة من حياة الناس العاديين، مع جرأة في تغيير القواعد. الشخصيات تتحدث كأنها تعيش اليوم، والمشاهد تتخللها مواقف ساخرة، ومقاطع موسيقية لاحقة على الفترة التي تجري فيها الأحداث، في تلميح إلى أن الفيلم عابر للحقب، وأنه يتحدث أيضا عن الحاضر. ما أشبه اليوم بالبارحة. اليمين المتطرف في أوج شعبيته، يقف على أبواب قصر الإليزيه، والخطاب الفاشي رياضة يومية في السياسة والإعلام… هل قدر فرنسا أن تعود باستمرار إلى الوراء؟ عندما يذهب هنري وبوليت إلى السينما، يشاهدان فيلم جان دولانوا الذي كتب له السيناريو جان كوكتو عام 1943 وعنوانه: “العَود الأبدي”!















