كان (جنوب فرنسا) - عثمان تزغارت
كان (جنوب فرنسا) - عثمان تزغارت

مقالات مشابهة

رسالة "كان" (8)

“نمر من ورق”: جيمس غراي على أطلال الحلم الأمريكي

كان (جنوب فرنسا) - عثمان تزغارت
كان (جنوب فرنسا) - عثمان تزغارت

في فيلمه التاسع “نمر من ورق”، يعود المخرج الأمريكي جيمس غراي إلى العوالم السينمائية التي صنعت هويته الفنية طوال العقود الماضية: نيويورك القاتمة، العائلات المتصدعة، الرجال الذين يطاردون وهم الصعود الاجتماعي، والحلم الأمريكي الذي يتحول ببطء إلى مصيدة أخلاقية ونفسية. وكما في أبرز أعماله السابقة، من “أوديسا الصغيرة” و”أسياد الليل” إلى “عاشقتان”، يبدو غراي مأخوذًا مجددًا بفكرة الإنسان الذي يخسر نفسه تدريجيًا وهو يحاول النجاة داخل وسط فاسد أكبر وأكثر سطوة منه.

الفيلم، الذي عُرض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان “كان” السينمائي، لا يقدّم نفسه كفيلم عصابات تقليدي بقدر ما يقترب من دراسة نفسية خانقة عن الأخوة والسلطة والوهم والانهيار الداخلي. تدور الأحداث في كوينز عام 1986، حيث يعيش إروين، المهندس الهادئ المنتمي إلى الطبقة العاملة، حياة تبدو مستقرة إلى أن يظهر شقيقه الأكبر غاري بعرض مغرٍ لتطوير مشروع مائي ضخم مرتبط بتمويل من المافيا الروسية. منذ تلك اللحظة، يشتغل الفيلم بشكل خاص على بناء إحساس ثقيل بالقدر المحتوم. وهو الإحساس الذي لطالما ميّز سينما غراي: شخصيات تعرف في أعماقها أنها تسير نحو الكارثة، لكنها تستمر رغم ذلك، مدفوعة بمزيج من الطموح والخوف والرغبة في إثبات الذات.

أداءات هادئة تكشف هشاشة الأخوّة وصراعها الخفي

يمنح آدم درايفر الفيلم أحد أكثر أدواره نضجًا وهدوءًا في السنوات الأخيرة. شخصية غاري تبدو في ظاهرها مزيجًا من الثقة والنجاح والاستعراض، رجل يرتدي البدلات الفاخرة ويتحدث كمن يملك المدينة، لكنه في الحقيقة “نمر من ورق” يخفي هشاشة عميقة وشعورًا دائمًا بالفشل. أداء درايفر لا يعتمد على الانفعالات الصاخبة، بل على توتر داخلي مستمر، يجعل الشخصية تبدو وكأنها تنهار ببطء أمام أعين المشاهد.

في المقابل، يقدّم مايلز تيلر شخصية إروين بحضور إنساني مؤلم، رجل يعيش طوال الوقت في ظل أخيه الأكبر، ويشعر بأنه أضعف من العالم المحيط به، وأبطأ من أن يدرك حجم الخطر قبل فوات الأوان.

العلاقة بين الشقيقين تمثل القلب الحقيقي للفيلم. غراي لا يبني الصراع عبر المواجهات المباشرة، بل عبر الغيرة القديمة والإعجاب المكبوت والتوتر الصامت الذي يتضخم تدريجيًا. إنها علاقة تذكّر بعلاقات الأخوة المتصدعة في أفلامه السابقة، حيث تتحول الروابط العائلية إلى عبء نفسي وأخلاقي بدل أن تكون ملاذًا آمنًا. 

توتر نفسي بطيء يعيد روح سينما الجريمة الكلاسيكية

أما سكارليت جوهانسون، فرغم المساحة المحدودة نسبيًا للشخصية التي جسّدتها، إلا أنها أضافت للفيلم بعدًا إنسانيًا بالغ الحساسية من خلال شخصية هيستر، الزوجة القلقة التي تشعر تدريجيًا بأن العائلة تسير نحو هاوية لا يمكن تفاديها. حتى تدهور بصرها الغامض يبدو وكأنه استعارة سينمائية عن فقدان القدرة على رؤية الحقيقة قبل لحظة السقوط.

وكعادته، يرفض غراي إغراءات أفلام العصابات الحديثة القائمة على الإيقاع السريع والعنف الاستعراضي. العنف في “نمر من ورق” مؤجل دائمًا، مختبئ داخل الصمت الطويل والنظرات المرتابة والحوار المشحون بالقلق. التشويق هنا لا ينبع من المطاردات أو إطلاق النار، بل من ذلك الإحساس المستمر بأن الشخصيات محاصرة داخل مصير تعرفه مسبقًا لكنها عاجزة عن الهروب منه. هذه المقاربة تعيد الفيلم إلى روح سينما السبعينيات الأميركية، خصوصًا أفلام الجريمة النفسية التي كانت ترى العنف نتيجة طبيعية لانهيار داخلي طويل، لا مجرد استعراض بصري.

سقوط بطيء داخل وهم الحلم الأمريكي

وبالرغم من أن بعض تفاصيل السيناريو تبدو مألوفة ضمن ثيمات غراي المعتادة، فإن قوة “نمر من ورق” تكمن في صبره وثقته بإيقاعه البطيء. الفيلم لا يحاول إدهاش المشاهد عبر المنعطفات المفاجئة، بل يترك التوتر يتراكم تدريجيًا حتى يصبح الشعور بالكوارث القادمة أثقل من أي حدث فعلي. وحتى لحظة العنف الكبرى في الفصل الأخير تأتي بلا استعراض، بسيطة ومباشرة، لكنها تحمل رعبًا حقيقيًا لأنها تبدو النتيجة المنطقية لكل الأكاذيب الصغيرة والتنازلات الأخلاقية التي سبقتها.

قد لا يكون “نمر من ورق” أكثر أفلام جيمس غراي تجديدًا على المستوى الشكلي، لكنه بلا شك واحد من أكثرها نضجًا وتشاؤمًا. فيلم عن رجال يطاردون صورة زائفة للنجاح، وعن إخوة يكتشفون متأخرين أن الحلم الأميريكي ليس سوى فخ أنيق يقود ببطء نحو السقوط والدمار.