بقلم: حنان المنوري
بقلم: حنان المنوري

مقالات مشابهة

تحليل اقتصادي

صدمة النفط تقترب من كسر الاقتصاد العالمي.. مخاوف الركود تتصاعد مع اقتراب البرميل من العتبة الحرجة

بقلم: حنان المنوري
بقلم: حنان المنوري

أثارت أسعار النفط مجدداً المخاوف بشأن نمو الاقتصاد العالمي، خاصة بعد تحذيرات “صندوق النقد الدولي” الأخيرة، إلى جانب العديد من المؤسسات المالية والبحثية، من أن بقاء سعر برميل الخام عند مستويات “متطرفة” لفترة طويلة، سيكون له تأثير عميق على النشاط الاقتصادي العالمي قد يقوده إلى ركود لا محالة.

اختلفت العتبة التي قد يصبح بعدها الضرر الاقتصادي أكبر؛ فبينما وضعتها “بلاك روك” عند 150 دولاراً و”أكسفورد إيكونوميكس” عند 140 دولاراً، جاء الصندوق قبل أيام ليحذر من أن تلك العتبة باتت أكثر قرباً من 130 دولاراً لبرميل النفط الواحد.

مزيج سام

في الوقت الراهن، تشكل البيئة الاقتصادية الكلية مزيجاً ساماً من نقاط ضعف هي نفسها التي ابتلي بها الاقتصاد العالمي في فترات سبقت حدوث ركود في الماضي: قفزة في أسعار النفط، فقاعة في قطاع التكنولوجيا، ارتفاع مفرط في تقييمات الأسهم وأسعار المنازل، وضغوط وشيكة على الائتمان وأجزاء أخرى من النظام المالي؛ فكثير من حالات الركود الاقتصادي السابقة – باستثناء جائحة كوفيد – ارتبطت بصدمات في الطاقة.

منذ اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير/شباط، شهدت أسعار النفط العالمية أكثر ارتفاعاتها عنفاً منذ عقود. أدى الصراع إلى إغلاق فعلي لمضيق “هُرمز”، وهو مسار حيوي لـ20% من إمدادات العالم اليومية من النفط؛ ما فرض “علاوة حرب” فورية وكبيرة على كل برميل. ارتفعت أسعار خام برنت بأكثر من 40% لتتجاوز 100 دولار للبرميل بينما كانت فوق 70 دولاراً، ولا تستبعد مؤسسات مالية كـ “سيتي غروب” اختراقها حاجز 150 دولاراً. 

حتى الآن، بدا انخفاض تدفقات الطاقة عبر الخليج العربي عقب إغلاق “هرمز” قابلاً للإدارة، رغم خطورة الوضع. فمقابل خسارة تُقدّر بنحو 20 مليون برميل من النفط يومياً و20% من تدفقات الغاز الطبيعي المسال العالمية، نجحت السعودية في تحويل 7 ملايين برميل يومياً من إنتاجها نحو البحر الأحمر عبر خط أنابيب “شرق-غرب”، بينما حوّلت الإمارات 1.5 مليون برميل عبر خط أنابيب يربط حقولها بميناء الفجيرة في خليج عُمان.

ورغم أن هذا الوضع الجيوسياسي المتوتر لا يزال يحجب إمدادات نفط تُقدّر بـ 11.5 مليون برميل يومياً، إلا أن الشحنات التي كانت موجودة في البحر قبل النزاع وفّرت هي الأخرى احتياطياً مؤقتاً، لا سيما بعد تخفيف واشنطن عقوباتها على النفط الروسي وحتى الإيراني. في الوقت نفسه، شرعت دول مجموعة “السبع” والصين في استغلال احتياطياتها الاستراتيجية. كل ذلك، يُفسّر سبب بقاء سعر خام برنت دون 120 دولاراً للبرميل حتى الآن.

لكن، هذه الاحتياطيات ستنفد قريباً مع استمرار الصراع. عندها، ستستفيق سوق النفط العالمية على عجز أكبر وسيصبح هذا النقص، الذي بدأ يظهر بالفعل على العديد من الاقتصادات، واسع الانتشار. لذلك فإن الأسعار مرجحة لارتفاع أكبر لإجبار الطلب على التكيف مع عرض محدود، وهو تعديل من شأنه أن يُؤدي على الأرجح إلى ركود عالمي حاد.

لماذا النفط؟

ضمن الاقتصاد العالمي، يشكل سعر النفط عاملاً حاسماً، إذ يؤثر على قطاعاته الرئيسة كالنقل والتصنيع؛ لذلك يخضع سلوكه لتحليل مستمر لما قد تُحدثه التقلبات من آثار بالغة على الأسواق المالية والاستقرار الاقتصادي.

على مدى العقود الثلاثة الماضية، ازداد استهلاك النفط باطراد عاماً بعد عام بدفع من نشاط اقتصادي آخذ في التوسع، ولم يشهد انخفاضاً إلا خلال الأزمة المالية في 2008 وجائحة كوفيد في 2020. هذا الزخم في الاستهلاك قد يخبو أمام ارتفاع أسعار الطاقة ومعها تكاليف النقل والإنتاج، ما سينعكس في نهاية المطاف على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية. بالتالي، سينخفض ​​الدخل الحقيقي المتاح للأسر، الأمر الذي سيعيق أحد المحركات الرئيسة للنمو العالمي.

يحذر المحللون أيضاً من أن صدمة أسعار النفط قد تُؤثر على الأسواق المالية. خلال فترات تقلبات أسعار النفط الحادة، تميل الأوضاع المالية إلى التضييق، وتتسع هوامش ديون الشركات عادة، ما يؤثر على شهية الاستثمار ويزيد الضغط على الاقتصادات الأكثر تأثراً بدورة الطاقة.

ومن قنوات التأثير الأخرى المهمة، رد فعل البنوك المركزية؛ فإذا ارتفع التضخم مجدداً نتيجة قفزة أسعار الطاقة، قد تضطر السلطات النقدية إلى تبني سياسة أكثر تقييداً. في هذه الحالة، ستجد البنوك المركزية، مثل الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي، نفسها مجبرة على إعادة فتح النقاش حول رفع أسعار الفائدة مجدداً.

العتبة الحرجة

في ظل تقييم الاقتصاديين لمخاطر الركود وسط ارتفاع أسعار النفط، حددت شركة “ويلز فارغو” السعر الذي تعتقد أنه قد يمثل نقطة التحول الحاسمة، إذ يشير نموذج الشركة إلى 130 دولاراً للبرميل، أي زيادة تقارب 100% عن مستويات الأسعار ما قبل حرب إيران. هذه العتبة وقف عندها أيضاً صندوق النقد الدولي، الذي نبه إلى أن بقاء أسعار النفط بين 120 و130 دولاراً للبرميل حتى العام 2027، قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو الركود.

أدلت بهذا التقييم المقلق كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة للصندوق، خلال تصريحاتها على هامش مؤتمر اقتصادي في بولندا، محذرة من أن ارتفاع تكاليف الطاقة سيؤدي إلى انخفاض النمو العالمي إلى حوالي 2% فقط، وهو مستوى نمو يتوافق مع ظروف شبيهة بالركود، وفق وصفها. 

أما تقرير حديث لمؤسسة “أكسفورد إيكونوميكس”، فيشير إلى أن نقطة التحول في النمو العالمي، قد تحدث إذا استقر سعر النفط عند حوالي 140 دولاراً للبرميل لمدة شهرين متتاليين. ووفقاً للتحليل، فإن هذا المستوى، بالإضافة إلى عوامل أخرى ناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط، سيكون كافياً لدفع “أجزاء من الاقتصاد العالمي إلى الركود”؛ فيما سيتفاقم التأثير بسبب مجموعة من الآثار الجانبية التي تشمل تشديد الأوضاع المالية، واضطراب سلاسل التوريد، وتدهور ثقة المستهلكين والشركات.

وفقاً لعمليات المحاكاة التي أجريت باستخدام النموذج الاقتصادي العالمي للشركة، فإن تأثير صدمة النفط يمكن أن يترجم إلى انخفاض في الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة تقارب 0.7% بحلول نهاية العام 2026. ويمثل هذا السيناريو تباطؤاً كبيراً مقارنة بالتوقعات الحالية للنمو الاقتصادي العالمي. 

أما لاري فينك، رئيس “بلاك روك” أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم، فحذر في تصريحات إعلامية سابقة من “تداعيات خطيرة على الاقتصاد العالمي” إذا وصل سعر برميل النفط إلى 150 دولاراً نتيجة للحرب مع إيران. الجزء الصادم في تصريحاته، كان حول إمكانية أن تجبر إيران سعر النفط على البقاء فوق 100 دولار “لسنوات”.

آثار متفاوتة 

لن يُوزّع سيناريو الركود بالتكافؤ، فالدول المستوردة للطاقة في أوروبا وآسيا وإفريقيا ستشهد أشدّ الضغوط عندما يُخلف ارتفاع أسعار النفط انخفاضاً في القدرة الشرائية للمستهلكين، وزيادة في تكاليف الإنتاج، وتدهوراً في الميزان التجاري. أما الدول المصدرة للطاقة فاستفادتها من العائدات الكبيرة ستكون مؤقتة سرعان ما ستتلاشى مع انخفاض الطلب العالمي. 

ويبدو أن أزمة الطاقة الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط دخلت بالفعل مرحلة جديدة مع اقتراب فصل الصيف، إذ ذكرت صحيفة “فايننشال تايمز” نقلاً عن مصادر، أن نحو 80 دولة اضطرت إلى اتخاذ إجراءات طارئة لحماية اقتصاداتها. 

في حال استفاق العالم على تسوية مباغتة ما، وهو احتمال يتضاءل مع اتساع رقعة الخلاف، قد يطالعنا سيناريو أقل حدة: سعر نفط قرب 100 دولار للبرميل، سيكون معه التأثير على الاقتصاد العالمي أكثر اعتدالاً. في هذه الحالة، سيضعف النمو العالمي بعض الشيء مقارنة بالتوقعات، لكن العالم سيتجنب ركوداً واسع النطاق وإن لا سبيل في الأفق لعودةٍ إلى مربع ما قبل حرب إيران.