بقلم: حنان المنوري
بقلم: حنان المنوري

مقالات مشابهة

أسواق الطاقة (1-2)

من بغداد 1960: كيف أعادت الدول النفطية رسم ميزان القوة العالمي.. من مواجهة “الأخوات السبع” إلى إدارة سوق الطاقة المضطرب؟

بقلم: حنان المنوري
بقلم: حنان المنوري

في 14 سبتمبر/أيلول 1960، شهدت بغداد حدثاً مفصلياً في تاريخ الاقتصاد العالمي، بإعلان تأسيس منظمة الدول المصدّرة للنفط “أوبك”، في خطوة أعادت رسم موازين القوة داخل سوق الطاقة الدولية. وجاء تأسيس المنظمة في وقت كانت فيه الشركات النفطية الكبرى تفرض هيمنتها شبه المطلقة على الأسعار والإنتاج، بينما كانت الدول المنتجة تبحث عن آلية جماعية تحمي مصالحها وتعزز قدرتها على التحكم بثرواتها الطبيعية.

فكرة إنشاء “أوبك” قادها وزير النفط الفنزويلي الأسبق خوان بابلو بيريز ألفونسو، الذي عُرف لاحقاً بـ”الأب الروحي” للمنظمة، بعدما دعا إلى تنسيق سياسات الدول المنتجة لمواجهة ضغوط الشركات متعددة الجنسيات. وسرعان ما استجابت للمبادرة كل من إيران والعراق والكويت والسعودية، إلى جانب فنزويلا، ليولد بذلك أول تكتل دولي للدول المصدّرة للسلع الأساسية، فاتحاً الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع والتوازن في سوق النفط العالمي.

شكّلت تجربة “أوبك” لاحقاً نموذجاً ألهم قيام تكتلات مشابهة في أسواق البن والكاكاو والنحاس والحديد وغيرها من السلع الاستراتيجية. وعلى مدى العقود التالية، شهدت المنظمة تغيرات متلاحقة في عضويتها بين التوسع والانكماش، بفعل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي أعادت تشكيل خريطة الطاقة والاقتصاد العالمي.

جاء هذا التأسيس في سياق حركة تحرر طغت على المزاج في عدد كبير من دول “العالم الثالث”، وفي فترة اتسمت بانخفاض أسعار السلع، لا سيما النفط. لكنه، بالأساس اعتُبر نتاجاً لخلل في ديناميكية القوى بين شركات النفط متعددة الجنسيات التي كانت تمسك بمقاليد سوق النفط، والدول المُنتجة، أي أنه شكّل صيغة مواجهة أمام سياسات ما عرف آنذاك بـ”الأخوات السبع”. 

مواجهة “الأخوات السبع”

سعت الدول الخمس المؤسسة إلى تشكيل جبهة موحدة لمواجهة تخفيضات أسعار النفط التي فرضتها سبع شركات نفط متعددة الجنسيات، كانت تسيطر على معظم واردات النفط إلى الدول الغربية، فضلاً عن القيود التي فرضتها الحكومة الأمريكية على الواردات، والتي أدت إلى انخفاض أسعار الخام الأجنبي في خمسينيات القرن الماضي. لم يقتصر هدف الدول المؤسسة لـ “أوبك” على التفاوض لرفع الأسعار العالمية المعلنة للنفط، بل سعت أيضاً إلى تعزيز سيطرتها على مواردها من خلال تأميم امتيازات الشركات الدولية ذات الصلة. واليوم، تمتلك معظم دول “أوبك” كامل احتياطياتها النفطية.

تضم المنظمة اليوم 11 دولة غنية بالنفط تسيطر على أكثر من ثلثي الإنتاج العالمي، وتمتد عبر الشرق الأوسط وإفريقيا وأمريكا الجنوبية. وهي، إضافة إلى المؤسسين الخمسة الذين سبق ذكرهم، الجزائر والكونغو وغينيا الاستوائية والغابون وليبيا ونيجيريا.

حددت المنظمة هدفها كالتالي: “تنسيق وتوحيد سياسات النفط بين الدول الأعضاء، لضمان أسعار عادلة ومستقرة لمنتجي النفط، وتوفير إمدادات فعّالة واقتصادية ومنتظمة للدول المستهلكة، وتحقيق عائد عادل على رأس المال للمستثمرين في هذا القطاع”. وتُنسّق السياسات الضامنة لهذا الإطار المحدد بين الدول الأعضاء في اجتماعات دورية وطارئة، غالباً ما تُعقد في مقر المنظمة في فيينا؛ غير أن سياسات “أوبك” مرت بمراحل مختلفة، من حيث الإجراءات المتخذة، والاختلافات الهيكلية التي تُولِّد تباينات في المصالح رغم اعتماد اقتصادات جميع الدول الأعضاء كثيراً على النفط.

لعبة السوق.. بين المنظمة والـ”كارتل”

مكّن الموقع المهيمن في السوق “أوبك”، في بعض الأحيان، من العمل كجهة “احتكارية”، عبر تنسيق مستويات الإنتاج بين أعضائها، الأمر الذي دأب الغرب على وصفه بـ”التلاعب” مقابل رفض المنظمة لهذه المزاعم. من جيرالد فورد إلى دونالد ترامب، انتقد رؤساء الولايات المتحدة المنظمة النفطية بشدة، معتبرين أنها “تهديد للاقتصاد الأمريكي”، وبأن أسعار النفط كانت لتكون أقل لو لم تكن “أوبك”.

يسود الاعتقاد بأن منظمة “أوبك” عبارة عن “كارتل” يستحوذ على حصة كبيرة من إنتاج النفط العالمي، ما يمنحه القدرة على تنظيم الأسعار من خلال تعديل كمية الخام التي يُورّدها، زيادة أو نقصان، من خلال موازنة تقلبات العرض والطلب. 

هذا التأثير المتاح على أسعار النفط، غالباً ما يجعل “أوبك” المُلام الأول على الصدمات المفاجئة. لكن يشير البعض إلى أن هذا الموقف “الجاهز” في غير محله، إذ يميل سياسيو الدول الغربية، بما فيها الولايات المتحدة، إلى توجيه إصبع الاتهام نحو “أوبك” كلما احتاجوا لـ”كبش فداء”؛ فعندما ترتفع أسعار النفط بشكل حاد يطالبون أعضاء المنظمة بفتح الصنبور أكثر، متجاهلين الأسباب الحقيقية وراء جنون الأسعار.

هذه الصورة النمطية السائدة عن “أوبك” هي إلى حد كبير إرث أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي، عندما تسبّب “الحظر العربي” في العام 1973 بـ “صدمة الطاقة الأولى”، التي أثارت رعب المستهلكين، وكوّنت عبر فترات التقنين ومشاهد الطوابير الطويلة أمام محطات الوقود، أول انطباع راسخ بقدرة المنظمة على استخدام النفط كسلاح سياسي، وهو ما عُد آنذاك “أول انتصار كبير لقوى العالم الثالث في إخضاع الغرب”.

في البداية، حققت “أوبك” أرباحاً طائلة؛ فبين العامين 1972 و1977 تضاعفت عائدات النفط الإجمالية لأعضائها أكثر من ست مرات، من 23 مليار دولار إلى 140 مليار دولار، في وقت تسببت نفس الأسعار المرتفعة التي ضخّمت خزائن المنظمة بحدوث ركود اقتصادي في الغرب. 

بذلك، أصبحت “أوبك” موضع تقدير وخوف في آنٍ واحد، لقدرتها على إيلام الغرب اقتصادياً، وهي سمعة التصقت بها حتى مع تراجع قوتها السوقية على مر العقود اللاحقة.

المنافسون الجدد وتضاؤل الحصة

بعد العام 1973، أدركت “أوبك” قوتها السوقية، لكن ذلك أدى إلى انهيار الطلب مع ارتفاع الأسعار، وشجّع الإنتاج المنافس من مناطق أخرى كبحر الشمال وألاسكا وخليج المكسيك. لذلك، اضطرت المنظمة في العام 1982 إلى فرض حصص لتقاسم سوق آخذة في التقلص بين أعضائها، هذا الدور الذي حافظت عليه منذ ذلك الحين.

وعبر الزمن، تفاوتت حصة “أوبك” من إنتاج النفط الخام العالمي؛ ففي سبعينيات القرن الماضي، ضخت أكثر من نصف الإنتاج العالمي مع تراجع هيمنة شركات النفط الكبرى، وتلاشي الطاقة الإنتاجية الفائضة للولايات المتحدة، قبل تدفق النفط من مصادر خارج نطاق بلدانها. لتتراوح حصتها لاحقاً بين 30% و40%، ثم ارتفعت بعد تشكيل تحالف “أوبك بلس” مع 10 دول غير أعضاء، من بينها روسيا، في العام 2016. 

هذا التحالف عزز حصتها السوقية إلى ما يقارب 50% بحلول العام 2025، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية، إلا أن هذه الحصة انخفضت وسط تداعيات الحرب الأخيرة مع إيران. وقد قُدر في العام 2021 أن دول “أوبك” تمتلك أكثر من 80% من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم.

آلية إدارة السوق.. بين خفض ورفع

خلق النمو السريع في الطلب على النفط من الاقتصادات الناشئة بقيادة الصين، خلال العقد الأول من الألفية الثانية، موجة صعود عاتية في أسعار السلع الأساسية، رفعت أسعار النفط إلى أكثر من 140 دولاراً للبرميل في العام 2008. انهارت الأسعار خلال الأزمة المالية، لكنها عادت لتنتعش من 2011 إلى منتصف 2014 متجاوزة 100 دولار للبرميل. هذه الانتعاشة لم تكن إلا نتيجة قرار “أوبك” بخفض الإنتاج. لكن طفرة النفط الصخري الأمريكي، المدفوعة بالتكنولوجيا والابتكار التشغيلي، أدت إلى زيادة مفرطة في المعروض قلصت معها حصة “أوبك” في السوق. واستجابة لذلك، عادت المنظمة لرفع الإنتاج، ما دفع الأسعار إلى ما دون 30 دولاراً بحلول أوائل العام 2016.

في العام 2020، شهدت أسواق النفط تغيرات هيكلية مع تفشي جائحة كوفيد-19 على نطاق واسع، بعد أن أدت إجراءات الاحتواء إلى تقليص الأنشطة الاقتصادية. نتيجة لذلك، انخفض الطلب على المنتجات النفطية بشكل حاد، مخلفاً فائضاً في المعروض فاق ما تحدده أساسيات السوق؛ ما نتج عنه انخفاض حاد في الأسعار لدرجة أنها سجلت أدنى مستوى تاريخي.

وسط هذه الاضطرابات، برزت حرب أسعار إلا أنه تم احتواؤها سريعاً في نهاية المطاف عبر اتفاق بخفض الإنتاج أعاد الاستقرار للأسواق. 

جاءت الحرب الروسية-الأوكرانية في العام 2022 لترفع الأسعار لفترة وجيزة فوق 120 دولاراً للبرميل، لكن العرض الروسي القوي والطلب الضعيف وارتفاع العرض من خارج “أوبك بلس”، كبح الصعود وخفض ​​الأسعار إلى ما دون 80 دولاراً بحلول العام 2024. وعندما بدأت “أوبك بلس” بعكس تخفيضات الإنتاج في إبريل/نيسان 2025، هوت الأسعار أكثر، وهبطت لفترة وجيزة إلى أقل من 60 دولاراً للبرميل في ديسمبر/كانون الأول، لتشهد قفزة كبيرة خلقت صدمة جديدة في سوق الطاقة العالمية، مع انعكاسات إغلاق مضيق “هُرمز” وتضرر الإنتاج في بعض الحقول الخليجية.

لطالما شكّلت المناورة في العرض وسيلة فعّالة للتحكم في أسعار النفط، إلا أن هذا الوضع بدأ يتغير في سوق مضطربة تشهد صعود الولايات المتحدة كمُصدّر رئيس، والتوجه العالمي نحو الطاقة المتجددة وسط مخاوف التغير المناخي. مع ذلك، لا تزال “أوبك” تتمتع بنفوذ اليوم، لكنه لا يضمن لها احتكاراً. وبعد ما يزيد على ستة عقود، تبدو المنظمة أقرب إلى ظل باهت لمجدها السابق، وسط صراعات داخلية باتت تطفو على السطح أكثر.