بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تحليل اقتصادي

الأسواق تتحدى الحرب: “وول ستريت” تُحلّق رغم توترات إيران وزخم التكنولوجيا يعيد رسم المزاج الاستثماري

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

رغم أن الحروب عادة ما تُحدث صدمات عنيفة في الاقتصاد العالمي، فإن المشهد الحالي يبدو مختلفاً بشكل لافت. فمع استمرار الأزمة في إيران وما رافقها من توترات في أسواق الطاقة وتهديدات لسلاسل الإمداد العالمية، لم تنهَر أسواق المال، بل على العكس، واصلت تسجيل مستويات مرتفعة، خصوصاً في الولايات المتحدة.

هذا التباين بين الواقع الجيوسياسي المضطرب وأداء الأسواق المالية يُطرح تساؤلاً جوهرياً: لماذا لم تتفاعل الأسواق كما جرت العادة؟ الإجابة لا تكمن في عامل واحد، بل في مجموعة من المحركات المتداخلة، المدعومة ببيانات اقتصادية قوية وأرباح شركات فاقت التوقعات، أعادت تشكيل سلوك المستثمرين وطبيعة تسعير المخاطر. 

أبريل الذهبي

شهد إبريل/نيسان ما يمكن وصفه بـ”الشهر الذهبي” للأسهم الأمريكية، التي سجلت مؤشراتها مكاسب قوية. وحقق “إس آند بي 500” ارتفاعاً يقارب 10% خلال تلك الفترة، في أفضل أداء له منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2020. كما سجل المؤشر مكسباً أسبوعياً بنسبة 0.91% في ختام التداولات الأخيرة.

وقاد “ناسداك” الُمركب مُوجة الصعود، بارتفاع لافت بلغ نحو 15% خلال الشهر، مدفوعاً بشكل رئيسي بأسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إلى جانب مكاسب أسبوعية بلغت 1.12%. في المقابل، كان أداء مؤشر “داو جونز” الصناعي أكثر اعتدالاً، لكنه ظل إيجابياً، مع نمو شهري 6.44%، ومكسب أسبوعي قدره 0.55%. 

من الدفاع إلى التوسع والثقة

تؤكد هذه الأرقام بوضوح أن السوق لم يكن في حالة دفاعية، بل في حالة توسع وثقة، رغم الضبابية السياسية. ويمكن تحديد خمسة أسباب رئيسة تفسر هذا الصمود غير المتوقع:

أولاً) تسعير مسبق للمخاطر: أحد أبرز العوامل يتمثل في أن الأسواق المالية غالباً ما تستبق الأحداث، وليس فقط تتفاعل معها. في الحالة الراهنة، يبدو أن المستثمرين قد سعّروا بالفعل أسوأ السيناريوهات المُحتملة في بداية الحرب، وهو ما أدى إلى امتصاص الصَّدمة مبكراً، فلم تعد التطورات تحمل عنصر المفاجأة نفسه.

ومع ظهور مؤشرات على إمكانية الحل الدبلوماسي، مثل وقف إطلاق النار المؤقت واستمرار قنوات التفاوض، بدأت الأسواق تتبنى رؤية أكثر تفاؤلاً. بمعنى آخر، لم تعد الحرب تُقرأ ككارثة مفتوحة، بل كأزمة لها نهاية محتملة، وهذا بحد ذاته كفيل بتهدئة ردود الفعل في الأسواق.

ثانياً) عقلية “الشراء في القاع”: تغير سلوك المستثمرين خلال السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ، فبدلاً من الهروب الجماعي عند أول إشارة للخطر، باتوا أكثر جرأة اليوم، وكثير منهم ينظر إلى الانخفاضات كفرص للشراء.

هذه العقلية تعززت بعد تجارب سابقة، مثل الحرب في أوكرانيا عام 2022، حيث تراجعت الأسواق بشكل حاد في البداية، لكنها سُرعان ما تعافت. نتيجة لذلك، أصبح المستثمرون أقل ميلاً للبقاء في مراكز تشاؤمية لفترة طويلة، وأكثر استعداداً لاقتناص الفرص عند الهبوط، خاصة في ظل بيئة أرباح قوية. سلوكٌ أسهم في تقليص مدة وتأثير أي تراجع أولي، ما أعطى الأسواق قدرة أكبر على التعافي السريع.

أزمة الطاقة العالمية

ثالثاً) احتواء صدمة النفط: تمثّل الخوف الأكبر في حدوث أزمة طاقة عالمية، نظراً إلى التهديدات التي طالت مضيق “هُرمز”، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط. وبالفعل، شهدت أسعار النفط ارتفاعاً ملحوظاً في بداية الأزمة، لكن المفاجأة كانت في قدرة الأسواق على امتصاص هذه الصدمة. وذلك بمساهمة عدة عوامل من بينها: السحب من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية، وجود طاقة إنتاجية فائضة لدى بعض الدول، وتراجع الطلب في بعض الأسواق.

نتيجة لذلك، لم تتحول أزمة الطاقة إلى ركود اقتصادي واسع كما كان متوقعاً، وهو ما خفف الضغط على أسواق المال. كما أن تفوق أسهم القيمة على أسهم النمو يعكس تحولاً جزئياً في تفضيلات المستثمرين الذين باتوا يبحثون عن ملاذات تستفيد مباشرة من الظروف الحالية، وفي مقدمتها قطاع الطاقة، الذي كان من بين أبرز الرابحين خلال الفترة.

رابعاً) نتائج الشركات: من أهم العوامل التي دعمت الأسواق في الآونة الأخيرة هو الأداء القوي للشركات، خصوصاً في الولايات المتحدة. فقد أظهرت البيانات أن نسبة كبيرة من شركات مؤشر “إس آند بي”، نحو 80%، تجاوزت توقعات الأرباح، بل إن بعض التوقعات المستقبلية جرى ترقيتها رغم الحرب.

هذا الأداء القوي في الأساسيات الاقتصادية يسلط الضوء على حقيقة مهمة مفادها، أن الأسواق لا تركز فقط على الأحداث الجارية، بل على القدرة المستقبلية للشركات على تحقيق نتائج أعمال وردية. وفي ظل استمرار الربح، يصبح من الصعب تبرير هبوط حاد في الأسعار، حتى في ظل التوترات السياسية.

كما أن الشركات الكبرى، خاصة في قطاع التكنولوجيا، أثبتت قدرتها على التكيف مع الأزمات، بل والاستفادة منها، وهو ما عزز ثقة المستثمرين.

البنية التحتية الرقمية

خامساً) زخم الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا: لا يمكن فهم صمود الأسواق من دون الإشارة إلى الدور المحوري لقطاع التكنولوجيا، وتحديداً الطفرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وبنيته التحتية الرقمية. فشركات التكنولوجيا الكبرى، أو ما يصح تسميتها بـ”عمالقة التقنية”، مثل “مايكروسوفت” و”ميتا” و”إنفيديا” و”أبل” وغيرها، تقود موجة صعود قوية مدفوعة بالاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي. 

كما سجلت أعمال أشباه الموصلات نمواً لافتاً في الأرباح، ما أعاد الزخم لهذا القطاع الحيوي. فقد أعلنت شركة “إس كيه هاينكس” الكورية الجنوبية عن قفزةٍ بلغت خمسة أضعاف في أرباحها الفصلية، مؤكدة خططها لزيادة الإنفاق. وأيضاً “سامسونغ إلكترونيكس”، التي حلّقت بأضعاف أرباحها الفصلية السابقة. يأتي هذا بعد أن رفعت شركة “تايوان لصناعة أشباه الموصلات” TSMC، توقعاتها لإيرادات عام 2026.

كل هذا التركيز على الابتكار والنمو المستقبلي جعل الأسواق أقل حساسية للأحداث الجيوسياسية قصيرة الأجل، حيث يرى المستثمرون أن القيمة الحقيقية تكمن في التحولات التكنولوجية طويلة المدى.

عوامل إضافية داعمة

إلى جانب الأسباب الخمسة الرئيسة، هناك عوامل أخرى ساهمت في دعم الأسواق، منها: الطبيعة الاستشرافية، وفيها يركز المستثمرون على ما سيحدث خلال 6 إلى 12 شهراً، وليس على الوضع الحالي فقط، ما يعني مرونة رغم التحديات. والثقة في التهدئة السياسية، حيث هناك اعتقاد واسع بأن التصعيد لن يستمر طويلاً، خاصة في ظل سوابق سياسية تشير إلى التراجع عند اشتداد الضغوط الاقتصادية. إضافة إلى هيمنة أسهم العمالقة حين تؤثر الشركات العملاقة ذات الأداء القوي بشكل كبير على المؤشرات، ما يجعلها أقل تعرضاً للأزمات مقارنة بالصغيرة.

يشير سوق الأسهم إلى اعتقاد جماعي بأن التوترات ستنخفض، وأن الحرب ستنتهي في المدى القريب، وأن تدفقات النفط عبر مضيق “هُرمز” ستعود إلى طبيعتها. بالإضافة إلى الاعتياد على وجهة النظر السائدة بأن الرئيس دونالد ترامب سيتراجع إذا ما تفاقمت الأزمة الاقتصادية، وهو ما يُعرف بـ”استراتيجية تاكو” TACO، اختصاراً لعبارة “ترامب دائماً ما يتراجع”.

وعليه، يمكن القول إن صمود أسواق المال، رغم الحرب الأخيرة، لا يعكس تجاهلاً للمخاطر بقدر ما يرسخ تغيراً عميقاً في طريقة عملها. المستثمرون اليوم أكثر اعتماداً على التوقعات المستقبلية، وأكثر ثقة في قدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص الصدمات. 

مع ذلك، يبقى هذا التوازن هشاً. فأي تصعيد مفاجئ أو فشل في المسار الدبلوماسي قد يعيد التقلبات بقوة. لكن حتى الآن، يبدو أن الأسواق اختارت الرهان على النهاية، لا على الأزمة نفسها.