بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

اقتصاد دولي

حرب إيران تعيد تسعير سلة السلع الأساسية: الطاقة والشحن والتأمين تدفع الأسعار للصعود وتهدد الأمن الغذائي العالمي

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

لم يعد أثر الحرب على إيران يُقاس بحجم الضربات أو اتساع مسرح العمليات فقط. في الكواليس الخلفية، تتشكل معركة أكثر هدوءاً… لكنها أعمق أثراً: الإمدادات، كلفة الطاقة، وأسعار الغذاء. وما تراقبه المنظمات الدولية اليوم ليس مسار الحرب بحد ذاته، بل امتداداتها غير المرئية؛ تلك السلسلة التي تبدأ من حقول الإنتاج ومسارات الشحن، تمرّ عبر التأمين والنقل، ثم تُعاد تسعيرها في الأسواق، قبل أن تستقر أخيراً على موائد الفئات الأكثر هشاشة.

هنا تحديداً يكمن الخطر. فالحروب الطويلة في هذه الجغرافيا لا تبقى محصورة داخل حدودها، بل تتحول سريعاً إلى عامل يعيد تشكيل كلفة الحياة نفسها-ببطء… لكن بثبات. 

مؤشر الأسعار يقفز 2.4% إلى 128.5 نقطة

الإشارة الأوضح جاءت من منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، التي أعلنت ارتفاع مؤشر أسعار الغذاء إلى 128.5 نقطة في مارس 2026، بزيادة 2.4% عن فبراير، ليسجل أعلى مستوى منذ سبتمبر 2025. الرقم بحد ذاته لا يبدو صادماً إذا ما قورن بذروة مارس 2022، لكنه يكشف شيئاً آخر: السوق بدأ يتحرك قبل أن تتضح ملامح الحرب بالكامل.

الأهم أن الفاو لم تتعامل مع الارتفاع كحركة دورية في الأسعار، بل ربطته مباشرة بارتفاع كلفة الطاقة الناتج عن تصاعد التوتر في الشرق الأوسط. هنا تنتقل القصة من “أسعار غذاء” إلى “سلسلة تكلفة كاملة” تبدأ من الوقود ولا تنتهي عند المستهلك.

لكن التحذير الحقيقي جاء في مكان آخر. المنظمة لفتت إلى أن استمرار الصراع لأكثر من 40 يوماً، بالتوازي مع ارتفاع كلفة المدخلات الزراعية، قد يدفع المزارعين إلى تقليص استخدام الأسمدة أو خفض المساحات المزروعة، أو حتى تغيير نوع المحاصيل. قرار تقني في الحقل… لكن أثره يتأخر ويضرب لاحقاً.

بمعنى أدق: ما نراه الآن هو بداية الحركة، لا ذروتها. الخطر الفعلي قد لا يظهر في الأسعار الحالية، بل في مواسم الحصاد القادمة-حين تتحول قرارات اليوم إلى نقص فعلي في المعروض.

سلاسل الغذاء تحت الضغط

ما يحدث ليس مجرد ارتفاع رقمي داخل مؤشر عام، بل إشارة إلى خلل يبدأ من الداخل. في مارس، صعدت أسعار القمح العالمية بنسبة 4.3%، وارتفعت الزيوت النباتية 5.1% للشهر الثالث على التوالي، فيما قفز السكر 7.2% إلى أعلى مستوى منذ أكتوبر 2025. هذا التزامن ليس تفصيلاً عابراً. حين تتحرك هذه السلع معاً، فإن الضغط لا يبقى محصوراً، بل ينتشر بسرعة عبر سلاسل غذائية كاملة، ويصل إلى المستهلكين بشكل أوسع-خصوصاً في الدول التي تعتمد على الاستيراد.

المفارقة أن المشكلة لا تبدأ من نقص فعلي في الغذاء. على العكس، الإمدادات العالمية لا تزال متماسكة حتى الآن. الفاو رفعت تقديرها لإنتاج الحبوب في 2025 إلى 3.036 مليار طن، بزيادة 5.8% على أساس سنوي. الأرقام تقول إن العرض موجود… لكن الكلفة هي التي تتحرك.

هنا تتضح طبيعة الصدمة. ما يتغير ليس حجم الغذاء، بل تكلفة إنتاجه ونقله وتمويله. النفط، الشحن، التأمين، والمدخلات الزراعية-كلها ترتفع معاً، فتُعاد تسعير السلسلة بالكامل. الأسواق تبدو مستقرة على الورق، لكن الأسعار ترتفع بفعل ما يحدث خارج الحقول.

النقطة الأكثر حساسية تظهر في الأسمدة. بيانات البنك الدولي تشير إلى قفزة حادة في مارس، حيث ارتفعت أسعار اليوريا بنحو 46% على أساس شهري. هذا رقم لا يمكن تجاهله. لأنه لا يؤثر على السوق الآن، بل على القرار داخل المزرعة.

وهنا يبدأ التحول الحقيقي. تحت ضغط الكلفة، يعيد المزارعون حساباتهم: تقليل استخدام الأسمدة، خفض المساحات، أو التحول إلى محاصيل أقل كلفة وأقل إنتاجية. قرار يبدو تقنياً… لكنه يحمل أثراً مؤجلاً.

ببساطة: الزراعة لا تنهار فجأة. تتآكل أولاً-ثم يظهر النقص لاحقاً.

“هُرمز” يرفع المخاطر

ثم يأتي البحر… حيث تتحول الجغرافيا السياسية إلى تكلفة مباشرة. تحذير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية في مارس لم يكن تقنياً، بل إشارة مبكرة إلى نقطة اختناق: اضطراب الشحن في مضيق “هُرمز” يرفع المخاطر على الطاقة والأسمدة، ويضغط على اقتصادات هشة تعتمد أصلاً على الاستيراد. ومع مطلع أبريل، لم يعد الحديث عن “توتر” بل عن ممر يكاد يتوقف، ما يعني عملياً تعطل أحد أهم شرايين النفط والغاز في العالم.

الصورة تكتمل مع تقديرات وكالة الطاقة الدولية: شلل شبه كامل في حركة ناقلات النفط عبر المضيق، وتعطل نحو 20 مليون برميل يومياً من الصادرات، في وقت تبدو فيه البدائل محدودة وغير قادرة على امتصاص الصدمة. هنا لا نتحدث عن سوق طاقة فقط، بل عن نقطة انتقال تضخمي.

المعادلة واضحة لكنها قاسية: يرتفع الوقود، فتزيد كلفة الشحن، ثم ترتفع أقساط التأمين، فتقفز أسعار الأسمدة… وبعدها تبدأ أسعار الغذاء بالتقاط الأثر. هي سلسلة واحدة، لكنها تضرب من أكثر من اتجاه.

القلق الإنساني يتقدم سريعاً على التحليل الاقتصادي. برنامج الأغذية العالمي يقدّر أن استمرار الصراع حتى الربع الثاني قد يدفع نحو 45 مليون شخص إضافي إلى انعدام الأمن الغذائي الحاد، فوق قاعدة قائمة تبلغ 318 مليوناً في 53 دولة. أي أننا نتحدث عن احتمال وصول الرقم إلى 363 مليوناً خلال 2026. هذا ليس رقماً نظرياً. إنه إعادة توزيع للخطر على مستوى العالم.

التفصيل الحاسم جاء في مكان محدد: بقاء أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل. عند هذا المستوى، لا تعود الأزمة قابلة للاحتواء بسهولة، بل تتحول إلى ضغط مركب على الدول الأكثر هشاشة-تلك التي تدفع ثمن الحرب رغم بعدها عن ساحتها.

مسارات بديلة

في الميدان، الصورة أكثر خشونة مما تعكسه المؤشرات. برنامج الأغذية العالمي يصف ما يجري في الشحن الإنساني بأنه من أكثر الفترات اضطراباً منذ جائحة كوفيد-19 وأزمة البحر الأحمر. التحويلات القسرية للمسارات، تكدّس مراكز إعادة الشحن، ورسوم مخاطر الحرب-كلها اجتمعت لرفع الكلفة وإبطاء الوصول.

النتيجة ليست نظرية. بعض الشحنات تتأخر، أخرى تُحتجز في نقاط وسيطة، والبرنامج اضطر فعلياً إلى بناء مسارات برية وبحرية أطول وأكثر تعقيداً للحفاظ على التدفق. أي أن “الوصول” لم يعد مسألة توافر الإمداد فقط، بل قدرة لوجستية على المناورة تحت ضغط متغير.

هنا تظهر المعضلة التي غالباً ما تُهمَل: حتى لو توقفت الحرب فجأة، الشبكات لا تتعافى فوراً. الاختناقات تحتاج وقتاً لتفريغها، والمسارات البديلة لا تُلغى بين ليلة وضحاها، والأسواق-الأهم-تكون قد التقطت إشارة الخطر. بكلمات أخرى: الأثر يستمر بعد الحدث.

صندوق النقد الدولي يضع هذا المسار ضمن إطار أوسع لكنه حاسم: استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء يعني تضخماً أعلى ونمواً أضعف. تشخيص يبدو تقليدياً، لكنه في هذا السياق يحمل حساسية سياسية واضحة.

السبب بسيط. كثير من الدول خرجت بالكاد من موجات التضخم في 2022 و2023، وأي صدمة جديدة تعيدها إلى نقطة الصفر. البنوك المركزية لن تجد مساحة مريحة، والحكومات-خصوصاً في الدول المستوردة للطاقة والغذاء-ستواجه معادلة مكلفة: دعم وقود متزايد، ضغط على العملة، ارتفاع فاتورة الواردات… ثم توتر اجتماعي يبدأ بصمت من أسعار الطعام، قبل أن يظهر في الشارع.

سيناريوهات محتملة

إذا استمرت الحرب، فالمسار لا يُقرأ من زاوية واحدة. هناك ثلاثة اتجاهات تبدو أكثر واقعية-كل منها يحمل إيقاعاً مختلفاً للأزمة، لا حجمها فقط.

السيناريو الأول يمكن تسميته “الاحتواء المكلف”. الحرب تستمر، لكن من دون انهيار شامل في سلاسل الإمداد. الاضطراب في “هُرمز” قائم، الشحن أبطأ وأغلى، والتأمين أعلى… لكن النظام لا ينكسر. في هذا المسار، ترتفع أسعار الغذاء تدريجياً، وتبقى وفرة الحبوب العالمية كحاجز مؤقت يمنع الانفلات. النتيجة: تضخم غذائي واضح، ضغط متزايد على الدول المستوردة، وارتفاع أسرع في الزيوت والسكر وبعض الحبوب. أزمة قائمة، لكنها لا تزال “مُدارة”.

السيناريو الثاني أبطأ… لكنه أعمق. “الاستنزاف الزراعي”. هنا لا يظهر الخلل فوراً، بل يتراكم. استمرار كلفة الطاقة والأسمدة عند مستويات مرتفعة يدفع المزارعين إلى إعادة الحسابات: تقليص المساحات، خفض المدخلات، التحول إلى محاصيل أقل كلفة وأضعف إنتاجية. ما يتآكل ليس السوق الآن، بل الموسم القادم. وعندها، لا تعود المشكلة في النقل أو العقود، بل في المحصول نفسه. الغذاء الفعلي، لا توقعاته.

ثم يأتي السيناريو الثالث-الأكثر قسوة-“الصدمة المركبة”. الحرب تطول، النفط يبقى فوق 100 دولار، الاختناق في “هُرمز” وباب المندب يتعمق، والرسوم والتأخيرات تتسع، بالتزامن مع استجابة زراعية سلبية. هنا لا ترتفع الأسعار فقط، بل تتسارع العدوى: تضخم عالمي أعلى، نمو أضعف، عملات تحت الضغط، وديون أكثر هشاشة في الاقتصادات النامية.

الأسواق: حالة الذعر لم تبدأ بعد

المفارقة أن الأسواق الزراعية لا تبدو في حالة ذعر حتى الآن. وهذا تحديداً ما قد يضلل القراءة. فالعالم لا يزال يملك هامشاً: إنتاج حبوب قوي، معروض لم ينهَر، ومؤشر أسعار دون ذروة 2022. لكن هذا الهامش قد يكون مجرد تأخير للرؤية.

حين تأتي الأزمة من الطاقة والمدخلات والشحن-لا من فشل محصول مباشر-فإنها تبدأ بطيئة، شبه صامتة… ثم تظهر دفعة واحدة، عندما يتضح أن قرارات الزراعة والنقل والتمويل قد تغيّرت بالفعل.

إذا طال أمد الحرب، فهي مرشحة لأن تتحول من نزاع عسكري إلى صراع على كلفة الغذاء. قد لا تُرى على الشاشات بالطريقة ذاتها، لكنها ستظهر في مكان أكثر حساسية: فاتورة الاستيراد، أسعار الخبز والزيوت والسكر، وقدرة الأسر على الاحتمال.

وعند تلك النقطة، يتغير السؤال. ليس: هل ارتفعت الأسعار؟ بل: من يستطيع أن يتحمّلها… ومن لا يستطيع.