بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

أمن الطاقة (2-3)

الانفجار الكبير: كيف أنهى انهيار شبكات الغاز وهم الاستقرار وأعاد رسم خرائط نفوذ الصراع الجيوسياسي؟

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

شهدت منظومة الغاز العالمية حتى مطلع العام 2022، وعلى الرغم من تعقيداتها، إدارةً ضمن قواعد شبه مستقرة: عقود طويلة الأجل، وبنى تحتية محمية، وخطوط أنابيب يُفترض أنها خارج منطق الحرب المباشرة؛ غير أن الغزو الروسي لأوكرانيا نسف هذه القواعد وكشف هشاشتها العميقة، وخلال أسابيع قليلة، انهارت فرضيات ترسخت لعقود. لم يعد الغاز مجرد أداة ضغط سياسية، بل أصبح جزءاً من ساحة مواجهة مفتوحة بين القوى الكبرى، تتقاطع فيها الحرب العسكرية مع الحرب الاقتصادية والتكنولوجية والاستخباراتية.

ردّ الغرب على الغزو الروسي بسلسلة عقوبات غير مسبوقة استهدفت قلب “اقتصاد الدب”، بما في ذلك قطاع الطاقة. لكن الردّ الأخطر جاء من موسكو نفسها، حين بدأت تقليص الإمدادات تدريجاً إلى أوروبا، تحت ذرائع تقنية، قبل أن تتوقف تدفقات بعض الخطوط كلياً، ليشهد العالم أزمة طاقة خانقة، وارتفاعاً غير مسبوق في الأسعار، وتهديداً مباشراً للصناعة الأوروبية، إضافة إلى عودة شبح الركود. وفجأة، اكتشفت أوروبا أن “الاعتماد المتبادل” لم يكن متوازناً كما تصوّرت.

في أيلول/سبتمبر 2022، وقع الحدث الذي هزّ أسس نظام الطاقة العالمي، تعرّض خطا الغاز “نورد ستريم 1و2” لسلسة تفجيرات غامضة في بحر البلطيق. وعلى الرغم من غياب إعلان رسمي عن الجهة المسؤولة، فإن الرسالة كانت واضحة “أنابيب الغاز ليست محصّنة”. لتتحول البنى التحتية للطاقة، التي كانت تُعد مشاريع هندسية محمية بالقانون الدولي، إلى أهداف محتملة في الحروب الهجينة.

لا تجديد لعقد العبور!

منذ اندلاع الحرب، استمرت أوكرانيا في نقل الغاز الروسي إلى دول مثل النمسا وسلوفاكيا والمجر بموجب عقد تم توقيعه في العام 2019. لكن، مع مطلع العام 2025، حسمت كييف موقفها رسمياً “لا تجديد للعقد مع شركة غازبروم الروسية”، ما تسبب بخسائر فادحة لروسيا نتيجة انخفاض صادراتها إلى القارة بنحو 50% على أساس سنوي. في المقابل، شهد خط أنابيب “تُرك ستريم” زيادة في التدفقات بنسبة 4.7% بعد الصيانة، لكن طاقته لا تزال جزءاً ضئيلاً مما كانت أوروبا تعتمد عليه سابقاً. أدى هذا الفراغ إلى ارتفاع حاد في الطلب على الغاز الطبيعي المسال. ومع ذلك، تظل مخاطر الاعتماد المفرط على هذه السلعة الحيوية على المدى الطويل قائمة، خصوصاً في ظل تقلب الأسعار، واختناقات البنية التحتية، والبصمة الكربونية لعملية التسييل.

ومع انتهاء العقد، برزت عدة سيناريوهات للحفاظ على تدفق الطاقة إلى أوروبا الوسطى:

أولاً: مقايضة الغاز الأذربيجاني: نوقشت مقترحات تقضي بأن تشتري أذربيجان الغاز من روسيا لاستخدامه محلياً، فيما تُصدر غازها الخاص عبر الأنابيب الأوكرانية إلى أوروبا. هذا الحل “الدبلوماسي” يُجنّب أوكرانيا نقل الغاز الروسي، ويتيح لأوروبا الحصول على الوقود.

ثانياً: استخدام مرافق التخزين الأوكرانية: تركز هذه الاستراتيجية على تحويل المخازن إلى “بنك طاقة” للشركات الأوروبية، حيث يتم تخزين الغاز المُشترى من الأسواق العالمية هناك واستخدامه وقت الذروة، خاصة أن أوكرانيا تمتلك أكبر مستودعات تخزين الغاز تحت الأرض في أوروبا.

ثالثاً: التوسع في الغاز المسال (LNG): وذلك من خلال زيادة الضخ من محطات الإسالة في كرواتيا وبولندا وألمانيا لتعويض النقص.

سطوع نجم الولايات المتحدة

في خضم الأزمة، برزت الولايات المتحدة بوصفها لاعباً يستعد لهذا المشهد منذ سنوات. وبفضل ثورة الغاز الصخري، تحوّلت واشنطن إلى أحد أكبر مصدّري الغاز الطبيعي المسال في العالم. ومع انهيار الإمدادات الروسية، فتحت أوروبا موانئها ومحطاتها لاستقبال الغاز الأمريكي، وأيضاً القطري، بوتيرة قياسية.

هذا التحول لم يكن اقتصادياً فقط، فأمريكا استخدمت الغاز المسال كأداة استراتيجية لتعزيز نفوذها في أوروبا، وتقليص المساحة المتاحة لعودة روسيا إلى السوق الأوروبية مستقبلاً.

أتى هذا “الإنقاذ” مع أثمان باهظة. فالانتقال من الأنابيب الثابتة إلى سوق الغاز المسال العالمي المنقول بحراً (LNG)، يعني الارتباط بأسعار فورية متقلّبة، ومنافسة شرسة مع آسيا. وبذلك، تحوّلت أوروبا من أحادية الاعتماد إلى هشاشة تعددية المصادر.

ومع نهاية العام 2023، بات واضحاً أن خارطة الغاز العالمية يُعاد رسمها. روسيا بدأت توجيه أنظارها شرقاً، بينما غرقت أوروبا في سباق محموم لبناء محطات عائمة وخطوط ربط جديدة. غير أن السؤال الأكبر ظل معلقاً: هل هذا التحول دائم، أم مجرد رد فعل لأزمة طارئة؟

مصادر بديلة

لم يعد الغاز الطبيعي مصدراً وحيداً من نوعه للطاقة، فقد أسهم عصر ما بعد خطوط الأنابيب في تسريع ظهور البدائل، من الهيدروجين الأخضر إلى الغاز الحيوي، أو العضوي، ولكل منها خصائص استثمارية مميزة.

يكتسب الهيدروجين الأخضر، المُنتج عبر التحليل الكهربائي باستخدام الطاقة المتجددة، زخماً متزايداً كبديل نظيف للوقود الأحفوري. وتعهدت الولايات المتحدة باستثمار 570 مليار دولار في مشاريع الهيدروجين حتى العام 2030، إلا أن 39 مليار دولار فقط منها وصلت إلى قرار الاستثمار النهائي. ولا تزال التكلفة الإضافية للهيدروجين الأخضر، أي ارتفاع تكلفته كثيراً مقارنةً بالرمادي (المنتج باستخدام الوقود الأحفوري بدل الطاقة النظيفة”، تشكل معوّقاً أمام الجدوى الاقتصادية بالنسبة للمستثمرين.

ويُعد الدعم الحكومي أمراً بالغ الأهمية، على اعتبار أن قانوني “خفض التضخم” و”الاستثمار في البنية التحتية والوظائف” الأمريكيين، اللذين خصصا 8 مليارات دولار لمراكز الهيدروجين، أحدثا نقلة نوعية في هذا المجال. مع ذلك، فإن التأخير في وضوح اللوائح التنظيمية وغياب الحوافز التي تدعم الطلب يُهددان بعرقلة التقدم.

كما يُعد الغاز الحيوي، المُستخلص من النفايات العضوية، حلاً انتقالياً أيضاً. فعند تحويله إلى “طبيعي متجدد”، يُمكن ضخه في البنية التحتية الحالية للغاز، ما يُقلل الاعتماد على الواردات. وهنا، تستفيد الولايات المتحدة من الإعفاءات الضريبية ومعايير محفظة الطاقة المتجددة على مستوى الولايات لتوسيع نطاق إنتاج الغاز الطبيعي المتجدد، إلا أن محدودية المواد الخام وتكاليف المعالجة تُمثلان تحديات كبيرة.