بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

أمن الطاقة (3-3)

مستقبل أنابيب الغاز بين آسيا وشرق المتوسط يعيد تشكيل خرائط الطاقة والنفوذ العالمي

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

انتقل الصراع على الغاز، في وقت كانت الأسواق الأوروبية تعيد ترتيب أوراقها، بثقله إلى مسارح أخرى أكثر تعقيداً وأقل استقراراً، وتسارعت الخطط الروسية لتوسيع صادراتها نحو آسيا، ولا سيما إلى الصين، لتُمثل مشاريع “قوة سيبيريا” أكثر من مجرد خطوط جديدة، بل إعادة توجيه استراتيجية كاملة لتدفقات الطاقة العالمية.

في مواجهة العزلة الغربية، أطلقت موسكو استراتيجية “الاستدارة شرقاً”. وبحلول العام 2025، وصل خط “قوة سيبيريا 1” إلى طاقته القصوى لنقل الغاز إلى الصين. مع ذلك، فإن هذا لا يُعوض فقدان السوق الأوروبية ذات القوة الشرائية العالية. ليُمثل مشروع “قوة سيبيريا 2” جوهر الصراع الاستراتيجي بين موسكو وبكين؛ حيث تحاول الأولى تسريع البناء لربط حقول الغاز التي كانت تغذي أوروبا بالشرق عبر منغوليا، بينما تمارس الثانية “دبلوماسية الصبر” للحصول على أفضل الأسعار وشروط سيادية مجحفة بحق روسيا.

أمن الطاقة الصيني

ترى الصين في هذه المشاريع فرصة لتعزيز أمنها في قطاع الطاقة، لكنها في الوقت نفسه تحرص على تنويع مصادرها وعدم الوقوع في فخ الاعتماد الأحادي، كما فعلت أوروبا سابقاً. وبعيداً عن الأنابيب، عزّزت بكين موقعها في سوق الغاز المسال العالمية، وعملت على توقيع عقود توريد طويلة الأجل، والاستثمار في محطات تسييل خارج أراضيها، والتحكم بجزء متزايد من سلاسل الإمداد.

هذا السلوك حوّل التنّين إلى فاعل مرجّح للأسعار العالمية، قادر على التأثير في السوق من دون ضجيج سياسي، بعكس الولايات المتحدة التي استخدمت صادراتها كأداة نفوذ علنية. ما يميز ذلك، هو أن الصين لا تسعى فقط لتأمين الطاقة، بل إلى تقليل اعتمادها على الممرات البحرية الخاضعة للنفوذ الأمريكي، واستخدام الغاز كرافعة في علاقاتها مع آسيا الوسطى وروسيا والشرق الأوسط.

شرق المتوسط في قلب النزاعات

في شرق المتوسط، تحوّلت اكتشافات الغاز البحرية الجديدة إلى وقود لصراعات سياسية وقانونية: التنافس بين اليونان وتركيا، الخلافات حول ترسيم الحدود البحرية، وتعقيدات النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، كلها جعلت من أي مشروع أنابيب مغامرة جيوسياسية عالية المخاطر.

هنا، يتداخل الغاز مع السيادة والأمن، ومع توازنات إقليمية هشة، ما يجعل المنطقة مثالاً صارخاً على أن الطاقة لا يمكن فصلها عن السياسة.

ومنذ اكتشاف حقول كبرى مثل “ليفياثان” و”تمار” قبالة سواحل فلسطين، و”ظُهر” في المياه المصرية، و”أفروديت” قرب قبرص، بدا أن شرق المتوسط يملك مقومات التحول إلى مصدر بديل لأوروبا، خصوصاً بعد اهتزاز الثقة بالغاز الروسي؛ لكن سرعان ما اصطدمت هذه الطموحات بجدار السياسة الصلب.

أحد أكثر أوجه الصراع حدة يتمثل في الموقف التركي. فأنقرة ترى نفسها مستبعدة من ترتيبات الغاز الإقليمية، لا سيما منتدى غاز شرق المتوسط، الذي يضم مصر واليونان وقبرص وإسرائيل وإيطاليا، بدعم أوروبي وأمريكي. لترد عبر توسيع عمليات التنقيب البحرية، وتوقيع اتفاقات ترسيم بحرية مثيرة للجدل، كما أنها تستخدم القوة البحرية كأداة ردع سياسية. فتحوّل الغاز هنا من مورد اقتصادي إلى وسيلة لإعادة تعريف النفوذ الإقليمي.

“إيست ميد” أنبوب لم يولد

تحوّل مشروع أنبوب “إيست ميد” EastMed، الذي كان من المفترض أن ينقل الغاز من شرق المتوسط إلى أوروبا عبر اليونان، إلى رمز للفجوة بين الطموح والواقع، إذ واجه ثلاث عقبات: تكلفة اقتصادية مرتفعة في ظل أسعار متقلبة، تعقيد جيوسياسي بسبب الاعتراض التركي، وتحول استراتيجي أوروبي نحو الغاز الطبيعي المسال المنقول بحراً، بدلاً من الغاز الطبيعي المنقول بواسطة الأنابيب الطويلة. وهكذا، أصبح شرق المتوسط مثالاً على كيف يمكن للغاز أن يُشعل الصراع أكثر مما يحلّ الأزمات.

في موازاة ذلك، يلوح تحدٍ آخر في الأفق، وهو “التحول المناخي”. فبينما تُضخ مليارات الدولارات في أنابيب جديدة ومحطات غاز طبيعي مُسال، تفرض السياسات المناخية العالمية سؤالاً جوهرياً: هل تتحول هذه الاستثمارات إلى أصول عالقة خلال عقود قليلة؟

هذا التناقض يضع صُناع القرار أمام معضلة مزدوجة، تأمين الطاقة اليوم، دون رهن المستقبل ببنى تحتية قد تصبح عبئاً اقتصادياً وبيئياً ثقيلاً. وما تكشفه هذه التطورات هو أن العالم لا يتجه نحو نزع تسييس الطاقة، بل العكس تماماً. الغاز، سواء عبر الأنابيب أو الناقلات، بات جزءاً من صراعات النفوذ الكبرى، وأداة لإعادة تشكيل التحالفات. 

في النهاية، لم تعد إمدادات الغاز مجرد مسارات فيزيائية على الخرائط، بل شرايين صراع عالمي مفتوح. وفي وقت تتغيّر السُبل وتتنوع المصادر، يبقى الثابت الوحيد أن الطاقة ستظل، في المستقبل المنظور، أحد أكثر ميادين الجغرافيا السياسية اشتعالاً.