بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

اقتصاد دولي

حوكمة الذكاء الاصطناعي على مفترق طرق.. جنيف تختبر قدرة “الأمم المتحدة” على إدارة التنافس في الاقتصاد الرقمي العالمي

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

استضافت “الأمم المتحدة” في جنيف قبل أيام أول “حوار عالمي بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي”، وهو مسار التزم به الميثاق الرقمي العالمي عام 2024، وأنشأته “الجمعية العامة للأمم المتحدة” رسمياً عام 2025، في خطوة تمثل اختباراً فعلياً لقدرة النظام متعدد الأطراف على مواكبة أحد أكثر التحولات الاقتصادية والتكنولوجية تأثيراً في العالم.

يأتي هذا المسار الجديد في وقت تتسارع وتيرة الاستثمار العالمي في الذكاء الاصطناعي، وسط تقديرات دولية تشير إلى أن التقنية قد تضيف ما يصل إلى 15 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول نهاية العقد. غير أن هذا النمو المتسارع يرافقه سباق متزايد على وضع القواعد الناظمة لهذه التكنولوجيا، بما يحمله ذلك من رهانات تتجاوز الابتكار إلى النفوذ الاقتصادي، والسيادة الرقمية، وإعادة تشكيل موازين القوة. مع ازدياد المخاوف من أن يؤدي غياب التنسيق الدولي إلى انقسام تنظيمي عالمي يرفع تكلفة الامتثال ويعقّد إدارة المخاطر العابرة للحدود.

من القمم الوطنية إلى الحوكمة الدولية

شهدت السنوات الثلاث الماضية زخماً غير مسبوق في الاجتماعات الدولية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهي مبادرات قادتها دول منفردة. ففي بريطانيا، أسهم “إعلان بلتشلي” عام 2023 في ترسيخ خطاب دولي مشترك حول مخاطر أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وطرح مفهوم “السلامة التقنية” باعتباره أولوية عالمية. ثم انتقل النقاش في قمة سيول 2024 إلى بناء شبكة مؤسسات معنية باختبار سلامة الأنظمة الذكية تضم عشر دول والاتحاد الأوروبي، قبل أن يتحول التركيز في باريس عام 2025 نحو الاستثمار والتوسع التجاري وتسريع التبنّي الصناعي للتقنيات الجديدة. أما القمة التي استضافتها الهند مطلع 2026، فقد منحت مساحة أوسع لدول الجنوب العالمي في حوكمة الذكاء الاصطناعي، ودفعت نحو إعادة طرح سؤال التمثيل والعدالة في صياغة القواعد الرقمية الدولية.

ورغم النجاح في حشد الاهتمام السياسي والتمويل، بقيت مخرجات تلك القمم في معظمها ضمن إطار الإعلانات والتعهدات، دون ترجمتها إلى آليات تنفيذية دولية متماسكة أو أطر تنظيمية مستقرة. لكن في حوارها القادم، تحاول الأمم المتحدة تقديم نفسها كمنصة أكثر شمولاً واستمرارية.

لماذا المظلة الأممية؟

تكمن أهمية المسار الأممي بالنسبة لعدد متزايد من الدول، خصوصاً الاقتصادات الناشئة، في مسألة الشرعية الدولية. فالأمم المتحدة، رغم ما تواجهه من انقسامات سياسية وتحديات تمويلية، تبقى الإطار الوحيد الذي يضم جميع الدول ويمنحها حق المشاركة في صياغة قواعد الحوكمة العالمية.

يحمل ذلك بعداً اقتصادياً مباشراً. فالعديد من الدول النامية تنظر إلى الذكاء الاصطناعي ليس فقط كأداة إنتاجية واعدة، بل أيضاً كبنية تحتية رقمية قد تؤسس لاعتماد طويل الأجل على تقنيات ومعايير لم تكن شريكة في وضعها.

وتستحضر الدول المشاركة تجارب سابقة في ملفات الضرائب الدولية والديون السيادية، حيث وجدت نفسها أمام أنظمة اقتصادية عالمية صيغت في جوانب ضيقة، ثم أصبحت لاحقاً مكلفة وصعبة التعديل.

من هذا المنطلق، يُنظر إلى “الحوار العالمي” في جنيف على أنه محاولة استباقية لتفادي تكرار هذا السيناريو في الاقتصاد الرقمي الجديد.

الحوكمة.. تنافس اقتصادي

تجاوز النقاش حول الذكاء الاصطناعي قضايا السلامة أو الاعتبارات الأخلاقية، لأن التكنولوجيا باتت ترتبط بسلاسل توريد الرقائق الإلكترونية، ومراكز البيانات، والطاقة، والبنية السحابية، وسوق العمل، والإنتاجية الصناعية؛ ما يجعل قواعد الحوكمة جزءاً من المنافسة الاقتصادية العالمية.

وفي ظل هذا الواقع، تسعى القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي إلى ترسيخ نماذج تنظيمية تعكس مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.

لكن اللافت خلال العامين الماضيين هو دخول قوى إقليمية مؤثرة مثل الهند والبرازيل وإندونيسيا إلى هذا السباق، مع سعي متزايد لتطوير ضوابط وطنية وتنظيمية تتناسب مع أولوياتها التنموية.

وفي ظل وجود أكثر من 80 دولة تعمل حالياً على استراتيجيات أو تشريعات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ترتفع احتمالات التباين التنظيمي، بما قد يخلق بيئة تشغيل عالمية مجزأة.

تكلفة التشظي التنظيمي

اقتصادياً، لا يُنظر إلى غياب التنسيق الدولي في حوكمة الذكاء الاصطناعي على أنه مجرد إشكالية تنظيمية أو بيروقراطية، بل باعتباره عاملاً قد يفرض أعباءً متزايدة على الاقتصاد الرقمي العالمي. فكلما تباينت القواعد والمعايير بين الدول، ارتفعت كلفة الامتثال على الشركات، لا سيما تلك التي تعمل في أكثر من سوق وتضطر إلى تكييف منتجاتها وأنظمتها وفق متطلبات قانونية مختلفة. كما يؤدي هذا التباين إلى تعقيد حركة البيانات عبر الحدود وزيادة الضبابية القانونية المتعلقة بالمسؤولية عند وقوع أخطاء أو أضرار ناجمة عن أنظمة الذكاء الاصطناعي، ما يرفع من مخاطر الاستثمار ويحد من القدرة على التوسع الدولي.

وتنعكس هذه التحديات بشكل مباشر على مسار نمو القطاع؛ إذ يؤدي التشظي التنظيمي إلى ارتفاع تكاليف تطوير وتشغيل الأنظمة الذكية على المستوى العالمي، ويبطئ توسع الشركات الناشئة في الأسواق الخارجية بسبب تعدد المتطلبات القانونية. كما يزيد من احتمالات النزاعات التنظيمية العابرة للحدود، ويكرّس تفاوتاً أكبر في الوصول إلى البنية التحتية الرقمية المتقدمة، سواء من حيث مراكز البيانات أو القدرات الحاسوبية. وفي المدى الأبعد، قد يسهم هذا الواقع في توسيع الفجوة التقنية بين الاقتصادات الكبرى التي تمتلك الموارد والمعايير المؤثرة، والأسواق الناشئة التي تجد نفسها مضطرة إلى التكيف مع قواعد لم تشارك بصورة فاعلة في صياغتها.

وفي حال غياب جهة مركزية ذات مصداقية للتنسيق، قد يتحول هذا التباين إلى منافسة معيارية، حيث تسعى كل كتلة اقتصادية إلى فرض نموذجها التنظيمي عالمياً، مستفيدة من وزنها السوقي أو التقني.

نحو تفويض أممي أوسع

المخرجات المنتظرة من حوار جنيف لن تكون نهائية، لكنها قد تؤسس لمسار سياسي وتنظيمي أوسع داخل الأمم المتحدة. ومن المقرر أن تغذي خلاصات الحوار مشاورات لاحقة تهدف إلى تحديد أولويات مشتركة لحوكمة الذكاء الاصطناعي، على أن تُدرج ضمن مراجعة “الميثاق الرقمي العالمي” بين أواخر 2027 و 2028.

تمثل تلك المراجعة محطة حاسمة لتقييم فعالية المؤسسات الجديدة التي أُنشئت تحت المظلة الأممية، بما فيها اللجنة العلمية الدولية والحوار العالمي. وبناء على النتائج، قد تتجه الدول الأعضاء إلى توسيع التفويض الأممي وربما إطلاق مسار تفاوضي نحو إطار قانوني دولي للذكاء الاصطناعي، أو على العكس، قد تعتبر أن هذه المؤسسات لم تحقق قيمة كافية.

مع اقتراب اجتماع جنيف، لم يعد الجدل الدولي يدور حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي خاضعاً للحوكمة، بقدر ما بات يرتكز على سؤال أكثر عمقاً وتأثيراً: من يضع هذه القواعد، ولصالح من تُصاغ في نهاية المطاف؟ هل كُرمى لعين القوى الاقتصادية الكبرى منفردة؟ أم أن الأمور ستسير عبر منصة دولية أكثر شمولاً تمنح الدول النامية والاقتصادات الصاعدة دوراً حقيقياً في رسم مستقبل التكنولوجيا؟

الإجابة عن ذلك تحمل آثاراً اقتصادية طويلة الأجل، إذ ستحدد من يملك النفوذ على المعايير التقنية، ومن يستفيد من القيمة الاقتصادية المتولدة عن الذكاء الاصطناعي، ومن يرسم حدود المخاطر المقبولة عالمياً.