اقترب الدولار الأمريكي من أعلى مستوياته في عشرة أشهر، مسجلاً مساراً صعودياً واضحاً يضعه على أعتاب تحقيق أكبر مكاسب شهرية منذ منتصف عام 2025، في انعكاس مباشر لتحوّل شهية المستثمرين نحو الأصول الآمنة مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتعثر آفاق التهدئة السياسية.
جاء هذا الصعود في وقت تتضارب فيه الإشارات بين واشنطن وطهران، حيث أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نبرة أقل تشدداً تجاه القيادة الإيرانية، مقابل استمرار التعزيزات العسكرية الأمريكية وتحذيرات إيرانية حادة، ما عمّق حالة عدم اليقين ودفع الأسواق إلى إعادة تسعير المخاطر بسرعة.
صدمة الطاقة تعيد تشكيل توازن العملات
أسهم تعطّل تدفقات الطاقة عبر مضيق “هُرمز” الحيوي في إشعال موجة ارتفاع قوية في أسعار الخام، وهو ما انعكس مباشرة على سوق العملات، حيث عزز الطلب على الدولار كملاذ آمن، في وقت تعرضت فيه اقتصادات مستوردة للطاقة، مثل اليابان ومنطقة اليورو، لضغوط متزايدة، في حين استفادت الولايات المتحدة من موقعها كمُصدّر صافٍ للنفط، ما منح عملتها دعماً إضافياً.
تشير البيانات إلى أن مؤشر الدولار ارتفع بنحو 2.7% خلال مارس/آذار، مدفوعاً بتدفقات الملاذ الآمن وتراجع الرهانات على خفض الفائدة. وهذا يمثل تحولاً حاداً للعملة الأمريكية، التي سجلت عشية الحرب الدائرة في الشرق الأوسط رابع شهر على التوالي من الخسائر. ومع استمرار الأعمال العدائية، يتزايد الضغط على البنوك والمستثمرين الذين كانوا متشائمين بشأن آفاق التسعير الفورية.
على سبيل المثال، أبدى محللو استراتيجيات بنك “جيه بي مورغان تشيس” تفاؤلهم لأول مرة منذ عام. وفي سوق العقود الآجلة، تحوّل المضاربون إلى المراهنة على ارتفاع الدولار، بعد أن كانوا عند منتصف فبراير في أشد حالات تشاؤمهم منذ نحو خمس سنوات، وقد زادوا من رهاناتهم على قوة الدولار الأسبوع الماضي.
اليورو والين تحت ضغط مزدوج
وجد اليورو دعماً محدوداً قرب مستوى 1.15 دولار بفضل توقعات تشديد السياسة النقدية من قبل البنك المركزي الأوروبي، إلا أن هذا الدعم ظل هشاً في ظل الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة. فيما بقي الين الياباني قريباً من مستويات التدخل (160 مقابل الدولار)، مع تزايد احتمالات تحرك السلطات النقدية لدعمه، خاصة مع تأثر الاقتصاد الياباني بشكل مباشر بارتفاع تكاليف الاستيراد. كما تراجعت عملات السلع، مثل الدولار الأسترالي والنيوزيلندي، بشكل ملحوظ، في دلالة واضحة على حساسيتها تجاه تقلبات النمو العالمي.
يعكس هذا الأداء تحوّلاً سريعاً في توجهات الأسواق، إذ انتقل المستثمرون من مراكز البيع المكثفة على الدولار في بداية العام إلى رهانات صعودية واضحة، مدفوعين بارتفاع أسعار الطاقة وتزايد المخاطر الجيوسياسية، وهو ما شجع مؤسسات مالية كبرى على تبنّي نظرة أكثر تفاؤلاً تجاه العملة الأمريكية، رغم استمرار المخاوف من أن تؤدي الحرب إلى إبطاء النمو العالمي أو إعادة إحياء سيناريوهات تقليص الاعتماد على الدولار في التجارة الدولية.
الذهب.. توازن حساس بين عاملين متناقضين
في قلب هذه التحولات، يقف الذهب في موقع أكثر تعقيداً، إذ يواجه اختباراً مزدوجاً بين قوته كملاذ آمن من جهة، وضغوط الدولار المرتفع من جهة أخرى، ما يجعله يتحرك في نطاق ضيق نسبياً رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
القاعدة التقليدية التي تربط الذهب بعلاقة عكسية مع الدولار تبدو أقل وضوحاً في المرحلة الحالية، حيث أدى ارتفاع العملة الأمريكية إلى تقليص جاذبية المعدن النفيس من حيث التسعير، الذي يحوم حول 4500 دولار للأونصة. فيما حافظت التوترات في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة على حد أدنى من الطلب التحوطي على الذهب، ما خلق توازناً هشاً بين قوتين متضادتين.
مع ذلك، ينصبّ التركيز حالياً على ما إذا كان اهتمام السوق سيتحول نحو مخاطر النمو الاقتصادي الناجمة عن استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة لفترة طويلة. يأتي هذا في الوقت الذي يُنظر فيه إلى الولايات المتحدة على أنها بمنأى نسبياً، نظراً لموقعها كمنتج للنفط. وفي حال حدوث ذلك، فقد تعود التوقعات بخفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي إلى الظهور.
وكتب محللو “غولدمان ساكس” بأن التحول نحو مخاوف النمو “سيؤدي على الأرجح إلى الحد من ارتفاع الدولار على نطاق واسع” مقابل عملات مجموعة العشر. لكن “مورغان ستانلي” ذهب إلى أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن الدولار سيضعف مع تزايد المخاوف الاقتصادية.
أولوية السيولة الفورية
يبرز النفط بوصفه عاملاً وسيطاً رئيسياً في هذه المعادلة، إذ إن ارتفاع أسعاره يدعم الدولار عبر تدفقات التجارة العالمية ويعزز في الوقت نفسه توقعات التضخم. وهو ما يصب تقليدياً في مصلحة الذهب، إلا أن تفوق الدولار في هذه المرحلة يعكس أولوية السيولة الفورية لدى المستثمرين على حساب التحوط طويل الأجل.
كما أن طبيعة التدفقات المالية خلال الأزمات تلعب دوراً محورياً، إذ تتجه السيولة سريعاً نحو الدولار لتغطية الالتزامات والمعاملات الدولية، بينما يُستخدم الذهب كأداة تحوط استراتيجية تتبلور أهميتها مع اتضاح أفق الأزمة، وهو ما يفسر تأخر استجابته مقارنة بالعملة الأمريكية.
في المرحلة الراهنة، يقود الدولار المشهد مدعوماً بعوامل السيولة والطاقة والمخاطر الجيوسياسية، بينما يتحرك الذهب في منطقة انتظار استراتيجية، مترقباً تحولاً أعمق في التوازنات الاقتصادية العالمية، ما يجعل العلاقة بينهما أكثر تداخلاً من أي وقت مضى، ويؤكد أن مسار الأسواق في المرحلة المقبلة سيظل رهينة تطورات السياسة والجغرافيا معاً.















