في تطور لافت يجمع بين التوتر السياسي والتعقيد الاقتصادي، أنهى رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول ولايته بإطلاق رسائل تتجاوز حدود الأرقام والمؤشرات، لتصل إلى جوهر العلاقة الشائكة بين السلطة السياسية واستقلال القرار النقدي. فبدلاً من خروج هادئ من المنصب، اختار باول البقاء بعد انتهاء ولايته، ولو في الظل، في خطوة بدت أقرب إلى تموضع دفاعي في مواجهة ضغوط متصاعدة من طرف الرئيس دونالد ترامب.
قرار باول الاستمرار عضواً في مجلس المحافظين، بعد انتهاء ولايته التي دامت 8 سنوات في منتصف مايو/أيار، لم يكن تفصيلاً إدارياً عابراً، بل جاء مُحملاً بدلالات واضحة. فقد أكد أنه سيبقى لفترة لم تُحدد بعد، مع التزامه بالعمل بعيداً عن الأضواء، في سلوك غير مألوف نسبياً. ورغم أن القرار لا يرتبط مباشرة بالانتقادات السياسية، بحسب وصفه، لم يُخف قلقه من “هجمات غير مسبوقة” استهدفت المؤسسة النقدية الأكبر في العالم، قد تضعف قدرتها على اتخاذ قراراتها بمعزل عن الحسابات السياسية.
في خلفية هذا الموقف، يلوح عامل مهم يتمثل في التحقيقات القانونية التي طالت الاحتياطي الفيدرالي، والمتعلقة بتكاليف داخلية للمؤسسة، إلى جانب محاولات للتأثير على تركيبة مجلسها. وقد رأى باول في هذه الإجراءات تهديداً مباشراً لاستقلال البنك المركزي، مؤكداً بأن الفصل بين القرار النقدي والضغوط السياسية ليس مسألة إجرائية، بل شرط أساسي للحفاظ على استقرار الاقتصاد، وبأنه لن يغادر منصبه قبل إغلاق هذا الملف بشكل نهائي.
تثبيت الفائدة وضبابية متصاعدة
تزامن هذا الإعلان مع قرار تثبيت أسعار الفائدة ضمن نطاق يتراوح بين 3.50 و3.75%، ليعكس حالة توازن حذرة بين دعم النمو وكبح التضخم. فمن جهة، لا يزال الاقتصاد الأمريكي يظهر متانة لافتة، مدعوماً باستمرار الإنفاق الاستهلاكي وتدفق الاستثمارات، خصوصاً في البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات. ومن جهة أخرى، تتزايد الضغوط التضخمية بفعل عوامل خارجية، أبرزها ارتفاع أسعار الطاقة على خلفية التوترات المرتبطة بحرب إيران، إلى جانب تأثيرات الرسوم الجمركية السابقة.
هذا التباين في المؤشرات انعكس بوضوح داخل أروقة الاحتياطي الفيدرالي، حيث لم يعد الإجماع سيد الموقف، ليشهد قرار تثبيت الفائدة أكبر انقسام بين صناع السياسة النقدية منذ عام 1992. بعضهم رأى في خفضها ضرورة لدعم النمو ودرء المخاطر، في حين اعتبر آخرون أن الظروف لا تسمح حتى بالإيحاء بتيسير نقدي، في ظل تضخم لا يزال أعلى من المستوى المستهدف. هذا الانقسام، الذي يُعد الأكبر منذ عقود، لا يعكس فقط اختلافاً في التقديرات، بل يكشف عن مرحلة انتقالية يختلط فيها الحذر بالتردد، وتغيب عنها الرؤية الموحدة.
في خضم هذا المشهد، برز العامل الجيوسياسي كعنصر ضاغط يصعب تجاهله. فقد أدى ارتفاع أسعار النفط إلى تغذية موجة تضخمية جديدة لمستويات تفوق الهدف المحدد عند 2%، وربما تصل إلى نحو 3.5%. مع ذلك، لم يستبعد باول أن يضطر البنك المركزي إلى إعادة النظر في مسار الفائدة إذا استمرت هذه الضغوط، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تشدداً في المستقبل، حتى وإن لم يتم الإعلان عنها صراحة في الوقت الراهن.
صدام مفتوح مع ترامب
لم يكن البُعد الاقتصادي سوى جزء لا يتجزأ من المواجهة السياسية المتصاعدة بشكل غير مسبوق بين باول وترامب. فمنذ عودته إلى المشهد السياسي من بوابة البيت الأبيض، لم يتوقف الأخير عن انتقاد سياسات الاحتياطي الفيدرالي ورئيسه، معتبراً أن تأجيل خفض الفائدة يعرقل النمو الاقتصادي. لكن إعلان باول البقاء في مجلس المحافظين فجّر موجة جديدة من التصعيد، ليرد ترامب بانتقادات حادة وشخصية، قائلأً: “جيروم ‘المتأخر جداً‘ يرغب بالبقاء لأنه لا يستطيع الحصول على وظيفة في أي مكان آخر، فلا أحد يريده”.
ردود الفعل داخل واشنطن عكست بدورها حالة انقسام واضحة. فقد انتقد وزير الخزانة سكوت بيسنت قرار باول، معتبراً أنه “انتهاك لكل معايير الاحتياطي الفدرالي” وإهانة للقيادة المقبلة برئاسة كيفن وارش، في حين عبّر مشرِّعون آخرون عن قلقهم من أن تمثل هذه الضغوط محاولة لإخضاع المركزي لإرادة السلطة التنفيذية. وبين هذين الموقفين، بدا أن الجدل يتجاوز شخص باول ليطال مستقبل المؤسسة نفسها.
الأسواق تناظر المرحلة الانتقالية
في الأسواق، جاءت الإشارات سريعة وحساسة. فقد ارتفعت عوائد سندات الخزانة، وتعزز موقع الدولار، مع تراجع التوقعات بخفض قريب لأسعار الفائدة. بل إن بعض التقديرات بدأت تميل إلى احتمال رفعها مجدداً إذا استمرت الضغوط التضخمية، وهو ما يعكس تغيراً في مزاج المستثمرين الذين باتوا أكثر حذراً تجاه المرحلة المقبلة.
كل هذه التطورات تتزامن مع اقتراب انتقال قيادة الاحتياطي الفيدرالي إلى رئيس جديد، في ظرف يجمع بين تحديات اقتصادية مزمنة وضغوط سياسية متصاعدة. ورغم تأكيد باول أنه لن يسعى إلى لعب دور معارض، فإن بقاءه داخل المؤسسة يضيف طبقة جديدة من التعقيد، خصوصاً في ظل حساسية المرحلة.
لا يمكن النظر إلى ما يجري داخل الاحتياطي الفيدرالي على أنه مُجرد نقاش تقني حول أسعار الفائدة، بل هو انعكاس لصراع أعمق حول استقلال القرار الاقتصادي في الولايات المتحدة. وبين الضغوط السياسية والانقسامات الداخلية والتحديات العالمية، يبدو المركزي الأمريكي أمام اختبار حقيقي جديد، قد يُحدد شكل العلاقة بين السياسة والاقتصاد لسنوات قادمة.















