لم يعد التمويل العالمي يُدار فقط من داخل جدران البنوك التقليدية. ففي العقد الأخير، برز ما يُعرف بـ”الائتمان الخفي” أو “الخاص” كأحد أسرع القطاعات نمواً في الأسواق المالية، حاملاً معه وعوداً بتمويل أكثر مرونة، لكنه في الوقت نفسه يثير مخاوف متزايدة من مخاطر كامنة قد تهدد استقرار النظام المالي العالمي.
هذا القطاع، الذي يُطلق عليه أيضاً “قطاع الظل المصرفي”، يعتمد على مبدأ اقتراض الشركات من صناديق استثمارية خاصة بدلاً من البنوك التقليدية، بفائدة ومخاطر أعلى وشفافية أقل، مستفيداً من فجوة تنظيمية نشأت بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، حين شددت السلطات الرقابية القيود على الإقراض المصرفي التقليدي.
لكن المفاجأة أن البنوك لم تخرج من اللعبة بل بقيت داخلها إنما بشكل غير مباشر. كيف؟ عبر تمويل الصناديق المُقرضة. بمعنى أنها تُمول من يُقرض لا من يستقرض.
القصة ظهرت للعلن في صراع قانوني بين بنك إقليمي أمريكي وشركة استثمار كبرى وشركة صناعية انهارت بالكامل، وانهار معها هذا الهيكل المعقد من الإقراض، كما ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال”. وهنا تبدأ الفوضى، لأن الجميع ظن أن المخاطر موزعة، لكن تبيّن عند أول أزمة أن النظام برمّته؛ مترابط ومعقد.
صعود “الظل المالي”
شهد سوق الائتمان الخاص نمواً لافتاً، إذ قفزت أصوله من نحو 158 مليار دولار في 2010 إلى ما يقارب تريليوني دولار عالمياً بحلول 2024. هذا التوسع السريع لم يكن عشوائياً، بل جاء نتيجة تحول هيكلي في النظام المالي، حيث تراجعت حصة البنوك الأمريكية من تمويل الشركات بشكل ملحوظ، تاركة فراغاً ملأته صناديق الاستثمار الخاصة.
تُقدم هذه الصناديق قروضاً مباشرة للشركات، خصوصاً تلك التي لا تستطيع الوصول بسهولة إلى التمويل المصرفي، مثل الشركات الصغيرة أو الشركات المدعومة من صناديق الملكية الخاصة. في المقابل، تحصل على عوائد أعلى، ما جذب المستثمرين الباحثين عن أرباح في بيئة أسعار فائدة متقلبة.
لكن هذا النمو السريع جاء على حساب الشفافية، إذ يعمل هذا القطاع خارج الإطار التنظيمي الصارم الذي تخضع له البنوك، ما يجعل تقييم المخاطر فيه أكثر تعقيداً.
علاقات متشابكة مع البنوك
رغم أن الائتمان الخاص يُصنَّف خارج النظام المصرفي، إلا أن الواقع أكثر تعقيداً. فالبنوك ليست بعيدة عن هذا القطاع، بل هي جزء أساسي من بنيته التمويلية.
تشير البيانات إلى أن البنوك الأمريكية قدّمت أكثر من 1.4 تريليون دولار كتمويل للمؤسسات المالية غير المصرفية بحلول نهاية 2025، وهو ما يعكس ترابطاً عميقاً بين النظام التقليدي ونظام الظل.
كما أن تعرض البنوك المباشر للائتمان الخاص يُقدَّربنحو 300 مليار دولار، ما يعني أن أي اضطراب في هذا السوق قد ينتقل بسرعة إلى النظام المصرفي الأوسع. ويخلق هذا التشابكُ مفارقةً خطيرة: بينما تسعى البنوك إلى تقليل المخاطر عبر نقل الإقراض إلى خارج ميزانيتها، تبقى مرتبطة به من خلال التمويل أو الشراكات، ما يجعل المخاطر تعود إليها بشكل غير مباشر.
إشارات تحذيرية متزايدة
في الأشهر الأخيرة، ظهرت مؤشرات على أن هذا القطاع قد يواجه اختباراً حقيقياً وهشاشة بعض نماذج العمل، من أبرزها:
- انهيار شركة “ماركيت فايناناشال سوليوشنز” في بريطانيا، وسط اتهامات بعمليات احتيال وإقراض مزدوج.
- فرض صناديق استثمارية خاصة قيوداً على عمليات الاسترداد، في إشارة إلى ضغوط سيولة متزايدة.
- ارتفاع القروض المتعثرة الموضوعة على “قائمة المراقبة”، ما قد ينذر بأزمة مستقبلية.
- نحو 13% من القروض في شريحة الشركات الصغيرة يتم تداولها حالياً بأقل من 90% من قيمتها، وهو مؤشر تقليدي على الضغوط المالية.
أحد أبرز التحديات في الائتمان الخاص أيضأً هو الغموض أو غياب الشفافية. على عكس الأسواق العامة، لا يتم تسعير القروض بشكل يومي، كما أن البيانات حول الأداء والمخاطر غالباً ما تكون محدودة. الأمر الذي يتيح إعادة هيكلة القروض أو تمديد آجالها دون الاعتراف الفوري بالخسائر، ما قد يؤدي إلى إخفاء المشكلات بدلاً من حلها.
إن هذه الممارسات قد تجلب معها هدوءاً يسبق العاصفة، إذ تبدو المؤشرات مستقرة ظاهرياً، بينما تتراكم المخاطر في الخلفية.
هل نحن أمام أزمة جديدة؟
المخاوف من الائتمان الخفي تستدعي مقارنات مع الفترة التي سبقت الأزمة المالية العالمية في 2008، عندما أدت المنتجات المالية المعقدة وضعف الشفافية إلى انهيار واسع.
اليوم، يُمثل القطاع “قنبلة صامتة”، خاصة مع تركّز القروض في قطاعات معرضة للتغيرات التكنولوجية مثل البرمجيات، وارتفاع الاعتماد على التمويل قصير الأجل، بالإضافة إلى تزايد الترابط بين المؤسسات المالية.
وقد حذّر بنك إنجلترا من أن نقص البيانات حول هذا القطاع يجعل من الصعب تقييم مخاطره الحقيقية، ما دفعه لإطلاق أول اختبارات ضغط شاملة عليه.
وجهة النظر الأخرى!
في المقابل، ورغم هذه المخاوف، لا يتفق الجميع على أن الائتمان الخاص يمثل خطراً وشيكاً. إذ يرى مؤيدو هذا النموذج أنه يوفّر تمويلاً ضرورياً للشركات التي لا تخدمها البنوك، ويعزز كفاءة توزيع رأس المال، ويمنح مرونة أكبر في هيكلة القروض. كما أن معدلات التعثر الحالية لا تزال ضمن مستوياتها الطبيعية التي يمكن التحكم بها، ما يشير إلى أن القطاع لم يصل بعد إلى مرحلة الخطر النظامي.
يُمثل الائتمان الخفي تطوراً طبيعياً للنظام المالي في ظل القيود التنظيمية على البنوك، من جهة. ويثير، من جهة أخرى، تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة الأسواق على إدارة المخاطر خارج الإطار الرقابي التقليدي. وبين هذا وذاك، قد لا يبقى “الظل” بعيداً عن الضوء طويلاً، وعندها، ستتكشف حقيقة ما إذا كان القطاع مجرد أداة تمويل مبتكرة، أم شرارة أزمة مالية مقبلة.















