بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تقرير اقتصادي

كيف أعادت حرب إيران رسم طريق التعافي.. من انتعاش هش إلى اقتصاد تحت الصدمةّ! توقعات النمو تتراجع إلى 3.1%

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

لم يكن الاقتصاد العالمي قد استعاد توازنه بالكامل بعد صدمات جائحة “كورونا”، حتى جاءت الحرب المرتبطة بإيران لتقطع المسار مجدداً. فبعد عام 2025 الذي شهد مؤشرات تعافٍ تدريجي مدفوعة بانحسار التضخم وتحسن سلاسل الإمداد، دخل العالم في 2026 مرحلة جديدة من عدم اليقين، أعادت طرح الأسئلة ذاتها، هل التعافي الاقتصادي كان حقيقياً أم مُجرد استراحة قصيرة بين أزمتين؟

شهد العام الماضي بداية استعادة النشاط الاقتصادي العالمي، مع تراجع نسبي في معدلات التضخم وعودة الاستهلاك والاستثمار تدريجياً. غير أن هذا الزّخم ظلّ هشّاً ومشروطاً إلى حد كبير باستقرار أسعار الطاقة وانسيابية التجارة العالمية.

ومع اندلاع الحرب وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، تبددت هذه المعطيات سريعاً، وانعكس ارتفاع أسعار النفط وتكاليف الشحن والتأمين مباشرة على كلف الإنتاج والنقل، ما أعاد الضغوط التضخمية إلى الواجهة. ليُخفض صندوق النقد الدولي، في تحديث إبريل 2026، توقعات النمو إلى نحو 3.1% من 3.5%، أي خسارة مئات المليارات من الدولارات من الناتج، في إشارة واضحة على سرعة تأثر الاقتصاد العالمي بالصدمات، بجميع أشكالها.

الطاقة: المحرك الخفي للأزمة

لم تكن الحرب مُجرد حدث جيوسياسي، بل تحولت سريعاً إلى أزمة اقتصادية عبر بوابة الطاقة. الأسواق لم تتعامل مع الصراع بوصفه محدوداً، بل كتهديد مباشر لأحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي “إمدادات النفط”.

ارتفاع أسعار الطاقة لم يقتصر تأثيره على قطاع الوقود، بل امتد إلى كافة مفاصل الاقتصاد، وأبرزها زيادة تكاليف الإنتاج الصناعي، ارتفاع أسعار النقل والشحن، بالإضافة إلى تضخم أسعار الغذاء المرتبط بالأسمدة والطاقة. ليعيد هذا التفاعل المتسلسل تشكيل البيئة الاقتصادية العالمية، ويضع البنوك المركزية أمام معضلة مزدوجة: كبح التضخم دون خنق النمو.

شبح الركود: سيناريو يحدث ببطء

في ظل الضغوط المتصاعدة، تتزايد التحذيرات من احتمال انزلاق الاقتصاد العالمي نحو ركود تدريجي، خاصة إذا استمرت أسعار الطاقة مرتفعة لفترة طويلة. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي، إلى أن استمرار صدمة الطاقة قد يضغط على النمو بشكل إضافي، في وقت يقترب فيه الدين العالمي من نحو 94% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مع توقعات بتجاوزه 100% في السنوات المقبلة، ما يزيد من هشاشة الاقتصاد أمام أي صدمة جديدة.

هذه التطورات تُهدد بخلق بيئة تجمع بين تباطؤ النمو واستمرار التضخم، في سيناريو يعيد إلى الأذهان ملامح الركود التضخمي الذي شهده العالم في سبعينيات القرن الماضي. والاقتصادات الأكثر عرضة أوروبا، بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة، والأسواق الناشئة، نتيجة ضعف هوامشها المالية، والدول ذات مستويات الدين المرتفعة. في المقابل، قد تتمكن بعض الاقتصادات الكبرى من امتصاص الصدمة جزئياً، لكنها لن تكون بمنأى عن التباطؤ.

اقتصاد الصدمات المتتالية: من “كورونا” إلى الحرب

تكمن خصوصية المرحلة الحالية في كونها امتداداً لسلسلة من الأزمات المتعاقبة منذ عام 2020، بدءاً من جائحة “كورونا”، مروراً باختناقات سلاسل الإمداد والحرب في أوكرانيا، وصولاً إلى موجات التضخم العالمية، وأخيراً حرب إيران، وهو ما أفرز نمطاً اقتصادياً جديداً يمكن وصفه بـ”اقتصاد الصدمات المتتالية”، حيث لم تعد الأزمات أحداثاً استثنائية، بل أصبحت جزءاً من البنية الاقتصادية نفسها.

هذا الواقع دفع الحكومات والشركات إلى صياغة استراتيجيات جديدة، وزيادة الاعتماد على المرونة أكثر من الكفاءة. ولم تعد العولمة بصيغتها السابقة خياراً مستقراً، بل اتجهت الاقتصادات نحو إعادة التمركز وتقليل المخاطر، بدلاً من التوسع.

الأسواق بين الواقع والتوقعات

رغم هذه التحديات، أظهرت الأسواق المالية في بعض الفترات قدراً من التماسك، بل وحتى الارتفاع، في انعكاس لفجوة متزايدة بين الاقتصاد الحقيقي وتوقعات المستثمرين.

وتشير البيانات إلى تدفقات استثمارية قوية نحو الأسواق الأمريكية، تجاوزت 28 مليار دولار خلال فترة قصيرة، ما يعني النظر إلى الولايات المتحدة كملاذ استثماري رغم حالة عدم اليقين العالمية. كما تراهن الأسواق على سيناريو احتواء الصراع جغرافياً وعدم توسعه، إلى جانب إمكانية تدخل البنوك المركزية لدعم الاستقرار عند الحاجة، إلا أن هذه الرهانات تبقى محفوفة بدرجة عالية من المخاطر في ظل غياب وضوح الرؤية الجيوسياسية واستمرار التقلبات.

تعافٍ مؤجل.. أم مسار جديد؟

لا تبدو تداعيات الحرب محصورة فقط في النمو والتضخم على المدى القصير، أو مجرد أزمة عابرة، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك لتلامس بنية النظام الاقتصادي العالمي. وتدل المؤشرات على تسارع في اتجاه فك الارتباط بين التكتلات الاقتصادية الكبرى، وإعادة رسم خريطة الطاقة العالمية، وتصاعد سياسات الاكتفاء الذاتي، إلى جانب زيادة تدخل الحكومات في توجيه النشاط الاقتصادي. وهي تحولات تعني انتقال الاقتصاد نحو نموذج أقل اعتماداً على الاستقرار وأكثر استعداداً للتقلبات والصدمات.

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن التعافي الذي بدأ في 2025 لم يتلاش بالكامل، لكنه دخل في مسار أكثر تعقيداً وتحدياً. فالعالم اليوم لا يواجه أزمة واحدة يمكن احتواؤها، ما يطرح تحولاً في طبيعة التحدي من البحث عن استعادة النمو إلى القدرة على التكيف مع واقع تتكرر فيه الصدمات بوتيرة متسارعة.